عمرو أبوالعطا
حين كانت باريس لا تزال نصف نائمة، وُلد في ليموج، في الخامس والعشرين من فبراير عام 1841، طفل اسمه بيير أوغست رينوار، لعائلة من الطبقة العاملة. كانت يده تبحث عن اللون قبل أن يعرف العالم اسمه، ترسم على الخزف لتؤمن لقمة العائلة، ولترسم حلمها على الفخار الصيني.
في الرابعة، حملته أسرته إلى باريس، المدينة التي تمشي بمتحف اللوفر تحت أقدامها. هناك، بين اللوحات القديمة والجدران التي تنبض بالتاريخ، تعلّم أن الفن ليس مجرد صورة، هو حياة كاملة تسكن القماش. وفي الثالثة عشرة، دخل ورشة رسم الخزف، فتعلم الدقة، والصبر، وبدأ يرى في كل خط لونًا، وفي كل لون حياة. ثم ضربه القدر بإفلاس الورشة، فترك الفخار إلى الأبد، وسار نحو القماش، نحو الشمس ، ومجده القادم.
في العشرين، دخل مدرسة تشارلز جلاير في باريس، وهناك التقى بمونيه وسيسلي وبازيل. كانت تلك الصداقة بداية الثورة التي غيّرت وجه الفن. رسموا معًا في الهواء الطلق، وتعلموا أن الضوء ليس خلف الأشياء بل يسكنها، وأن الظلال تُرسم بالألوان، لا بالسواد. في صيف 1869، على ضفاف نهر السين، وُلدت الانطباعية، لا في بيانٍ ولا في نظرية، في انعكاس الشمس على الماء، وفي ارتجاف الأشجار فوق وجه الطبيعة.
عام 1870، خرج إلى الغابة يحمل فرشاته، كمن يبحث عن ضوءٍ ضلّ طريقه. هناك، ولدت «لا بروميناد» La Promenade، لوحةٌ صغيرة بحجمها، كبيرة بما أوحت به من عاطفةٍ ودهشة بحجم (81.3 × 65 سم)، امرأةٌ ورجلٌ يسيران بين الأشجار، والنسيم يعبر فوق القماش كأنه روحٌ من لون. ترفع الغصن عن طريقها، فيرفع هو نظره إليها، لحظةٌ واحدة اختزلت غواية الإنسان في الطبيعة.
رجلٌ وامرأة يسيران في ممرٍ ضيقٍ تغمره الشمس. يرفع الرجل الأغصان عن طريقها، وتميل هي بخجلٍ ودهشةٍ كأنها تخطو إلى حلمٍ لا تعرف نهايته. الضوء ينساب بينهما مثل موسيقى ناعمة، تلمس القبعة والهواء في لحظةٍ واحدة. لم تكن نزهة، بل حكاية من حكايات الغواية الأولى، حين كان الضوء يفتن الإنسان أكثر مما تهزّه الكلمات.
المرأة مركز اللوحة، تغمرها أنوثة النهار، بينما يظل الرجل في الظلال، يطلّ ككائنٍ من أساطير الغابة، نصفه إنسان ونصفه حنين. الألوان تتغنى بانسجامٍ نادر؛ ورديات وجهها تمتد إلى يده ووجهه، كأنهما يشتركان في نبضٍ واحدٍ من الدهشة.
لم نعرف لهما اسمًا ولا مكانًا، غير أن اللوحة عُرفت في مزاد لندن عام 1989، ثم استقرّت بعد رحلةٍ طويلة في متحف جي بول جيتي، شاهدةً على لحظةٍ خرج فيها الجمال من القصور إلى هواء الطبيعة.
«لا بروميناد» لم تكن لوحةً عن الحب، كانت عن لحظة الوجود حين تلتقي العين بالضوء. فيها ما يشبه الطرب، وما يشبه السرور، وما يشبه السكينة حين تمرّ الريح بين أغصان الصيف. منها بدأت حداثة رينوار، ومنها تعلّم أن الضوء وحده يستطيع أن يحكي، من دون كلام، قصة الإنسان وهو يعبر الغابة إلى ذاته.
عام 1874، شارك في أول معرض للانطباعيين، وكان قد أعدّ نفسه لذلك منذ «لا بروميناد». كان يعلن من خلال لوحاته أن العالم يتحرك، وأن الجمال ليس في الشكل الثابت بل في اللحظة العابرة. وبعد عامين، عرض لوحته الجريئة Study Torso of a Woman In the Sunlight (1875 –1876) زيتًا على قماش بمتحف أورسي في باريس، فكانت صدمة للنقاد، إذ رآها البعض احتفالًا بلحمٍ حيّ يتنفس الضوء، وسخر منها آخرون قائلين إنها جسدٌ تغشاه بقع خضراء وبنفسجية. لكنها بقيت علامةً على تحدي رينوار للعتمة، وإصراره على جعل الضوء كائنًا نابضًا بالحياة.
وفي العام نفسه رسم «امرأة تحيك» Woman Crocheting، مفضّلةً لديه تُدعى نيني لوبيز، مغمورة في الضوء. كانت بالنسبة له رمزًا للحياة اليومية التي أحبّها، وجهها ساكن كالماء، وبشرتها مكوّنة من خيوطٍ دقيقة من الأصفر والوردي والأزرق. كان رينوار يبحث عن الجمال ممزوجا بصفاءٍ إنسانيٍ يعيد الثقة في الوجود.
وفي لوحة أخرى، «المظلات»Les Parapluies (1881 -1886)، تكشف المدينة الكبرى، والغرابة في الحشود، حيث تظهر شخصيتان فقط تنظران إلينا مباشرة ؛ فتاة صغيرة تلعب بالحلقة، وامرأة عاملة على اليسار. الخلفية مظللة بالمظلات والأشجار، لكن هناك إحساس بالعمق والمسافة من خلال الشخصيات الصغيرة في الخلفية. المرأة الحزينة أعاد رسمها بعد عودته من إيطاليا بأسلوب أكثر ضبطًا، ووضعت الألوان الباهتة والملابس المحددة بشكل ثلاثي الأبعاد، بينما ترك الفتاتين على اليمين بألوان حية وضربات فرشاة حرة، محافظًا على حيوية الانطباعية.
كان تأثره بفرانسوا بوشيه عميقًا. منذ صباه حين رأى «ديانا تغادر حمامها» Diana Leaving Her Bath - 1742 في متحف اللوفر.
وبعد عقدٍ من الثورة الانطباعية، رسم رينوار عام 1887 «المستحمون الكبار» The Great bathers ، ثم «Bathers Playing with a Crab» عام 1897، وهي أغنية للطفولة واللعب والماء، حيث يضحك الضوء نفسه بين الأجساد والموج. في المقابل كان ديغا يرسم «المستحمات» بخطوطٍ صارمة، بينما يذيبها رينوار في لذةٍ حسيةٍ دافئة.
ثم جاءت عرض لوحته الجريئة «Study. Torso of a Woman In the Sunlight» (1875 –1876) ، لوحة هادئة كهمس النسيم لامرأةٍ تجلس في عالمٍ بلا زمن. اقتناها بيكاسو عام 1919 متأثرًا بها، حتى أنه أعاد رسمها على طريقته في «Seated Bather Drying Her Feet» (1921)، كتحيةٍ لمعلمٍ جمع بين الكلاسيكية والحسّ الحيّ.
تزوج عام 1890 من ألين فيكتورين شاريجوت، التي ظهرت في لوحاته، ومعها أطفالهما، وممرضة الأسرة، وابن عم الزوجة، وكل لوحة نافذة صغيرة تطل على البيت والحياة. من أولادهما، أصبح جان مخرجًا سينمائيًا، وبيير ممثلًا، واستمرت العائلة في الفن والحلم.
استخدم رينوار تقنيات مبتكرة ؛ ضربات فرشاة سريعة، ألوان زاهية، مزج الضوء مع الحركة، خلق إحساس بالهواء المتحرك بين الشخصيات، وتغيير حجم الشخصيات لتقليد العمق، وتوزيع الضوء المتغير بين الظل والشمس على كل سطح. كان ينظم الشخصيات كما لو كانت تعيش خارج إطار اللوحة، بينما يعكس الضوء على الأرض والأوراق والملابس لتوحيد اللوحة.
وفي 1914، على كرسيه ويداه ترتعشان من الروماتويد، صنع تمثاله البرونزي «Venus Victorious» بالتعاون مع النحات الإسباني ريتشارد غينو، نصبًا للحبّ والفنّ الذي قاوم الجسد المريض.
وفي آخر حياته، بين عامي 1918 و1919، رسم لوحته الأخيرة «The Bathers» في متحف أورسي، خلاصة حياته وفلسفته. نساءٌ ضخمت الأجساد، يسبحن في هواءٍ لامعٍ وسماءٍ تفيض بالألوان. قال عنها ماتيس ؛ «إنها أعظم لوحاته»، بينما قال ابنه جان: «كنت أريد أن أضرب من سخروا منها، لأنهم لم يروا فيها ضوء أبي الأخير».
رينوار الذي جمع بين انطباعية الضوء وكلاسيكية الجسد، بين الحسية والبراءة، ترك إرثًا من آلاف اللوحات (يصل الي6000 لوحة). كانت يده تُترجم المشاعر إلى ضوء، والضوء إلى نبضٍ خالد. وحين زار اللوفر عام 1919 على كرسي متحرك ليشهد عرض إحدى لوحاته، كانت عيناه لا تزالان تلمعان بدهشة الطفل الذي يرى اللون للمرة الأولى. وفي العام نفسه، أغمض عينيه في كاني سور مير عن عمر ناهز الثامنة والسبعين، تاركًا خلفه ضوءًا لا يغيب، وألوانًا تمشي على القماش كما تمشي الروح في الجسد.