عبد الله سليمان الطليان
في مدينة هاي ويكومب High Wycombe البريطانية تقليد طريف يعود إلى قرون مضت: يُوزن عمدة المدينة في بداية ولايته، ثم يُعاد وزنه في نهايتها.
قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد احتفال شعبي طريف، لكن وراء هذا الميزان فكرة سياسية واجتماعية ساخرة وعميقة في الوقت نفسه. فإذا خرج العمدة من عامه في المنصب وقد زاد وزنه، كان يُنظر إلى ذلك على أنه دليل ساخر على أنه «ازداد سمنة على حساب دافعي الضرائب». وكان الناس يهتفون له إذا لم يزد وزنه، أما إذا زاد فكان الإعلان الشعبي يحمل معنى التوبيخ. واليوم ما زال التقليد قائماً بصورة احتفالية، وإن لم يعد الغرض منه اتهام العمدة فعلياً بالاستفادة من المال العام.
وقد تبدو الفكرة مضحكة، لكنها تفتح باباً لسؤال جدي:
ماذا لو لم يعد وزن الإنسان شأناً شخصياً تماماً، عندما تصبح السمنة عبئاً على الصحة العامة والاقتصاد والإنتاجية؟
من السخرية إلى الاقتصاد
كان ميزان عمدة هاي ويكومب رمزاً بسيطاً لمراقبة المسؤول: هل خرج من منصبه كما دخل، أم استفاد من موقعه؟
أما اليوم فقد أصبح لدينا ميزان آخر، أكثر تعقيداً، لا يقيس وزن شخص واحد، وإنما يقيس كلفة السمنة على المجتمع.
فالسمنة ترتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، وهو ما يعني زيادة الإنفاق على العلاج والأدوية والرعاية الصحية، ولا تتوقف الخسارة عند المستشفى؛ فهناك غياب عن العمل، وانخفاض في القدرة على العمل، وتقاعد مبكر، وانخفاض في الإنتاجية.
وهنا تتحول السمنة من مشكلة فردية إلى مسألة اقتصادية عامة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التكلفة الاقتصادية العالمية لزيادة الوزن والسمنة تتجاوز نحو 2 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق تقديرات منشورة، بينما تؤكد الأدبيات الاقتصادية أن جزءاً مهماً من التكلفة يأتي بصورة غير مباشرة من انخفاض الإنتاجية والمرض والوفاة المبكرة.
وهذا يعني أن الشخص الذي يعاني من السمنة لا يتحمل التكلفة كلها بمفرده؛ فجزء منها قد يصل في النهاية إلى الأسرة، وشركات التأمين، وأصحاب العمل، والمستشفيات، وميزانية الدولة، ودافعي الضرائب.
ولكن هل الإنسان مسؤول وحده عن وزنه؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
من السهل أن نقول: أنت الذي أكلت، وأنت الذي زاد وزنك، إذن أنت الذي يجب أن تدفع.
لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فالوزن يتأثر بالوراثة، والعمر، والمرض، والأدوية، والنوم، وطبيعة العمل، والبيئة الغذائية، ومستوى الدخل، والعادات الاجتماعية، والنشاط البدني، وحتى سهولة الحصول على الغذاء الصحي.
ولذلك فإن فرض ضريبة مباشرة على الإنسان لمجرد أن وزنه تجاوز رقماً معيناً قد يتحول إلى عقوبة على المرض، وليس إلى سياسة صحية.
وقد يصبح الأمر أكثر إشكالاً إذا افترضنا أن شخصين لهما الوزن نفسه يتحملان المسؤولية نفسها عن وزنهما.
إذن لماذا لا نفرض الضريبة على السبب بدلاً من الشخص؟
هنا تبدو الفكرة أكثر منطقية.
بدلاً من أن تقول الدولة:
«أنت بدين، ادفع ضريبة».
يمكن أن تقول: «الغذاء والمنتجات التي تزيد احتمالات السمنة ينبغي أن تتحمل جزءاً من تكلفتها الاجتماعية.»
ولهذا اتجهت دول كثيرة إلى ما يسمى الضرائب الصحية، مثل الضرائب على التبغ المشروبات المحلاة بالسكر.
وتدعو منظمة الصحة العالمية حالياً إلى تعزيز الضرائب على المشروبات المحلاة، وترى أنها يمكن أن تقلل الاستهلاك وتوفر إيرادات يمكن توجيهها إلى الخدمات الصحية. وفي عام 2026 أشارت المنظمة إلى أن ما لا يقل عن 116 دولة تفرض نوعاً من الضرائب على المشروبات المحلاة.
إذن القضية ليست «ضريبة ثم تنتهي المشكلة»، وإنما منظومة كاملة تبدأ بالغذاء وتنتهي بالصحة والإنتاجية.
هل يمكن أن نصل يوماً إلى «ضريبة السمنة»؟
هنا يصبح السؤال أكثر إثارة للجدل.
قد يقول الاقتصادي: إذا كان المجتمع يتحمل جزءاً من تكلفة السمنة، فلماذا لا يتحمل الفرد جزءاً أكبر من هذه التكلفة؟
وقد يقول آخر: لأن الإنسان ليس مجرد رقم في ميزانية الدولة، ولا يمكن معاقبته ضريبياً على حالة صحية قد تكون له أسباب خارجة عن إرادته.
وبين الرأيين توجد منطقة وسطى ربما تكون أكثر عدالة:
لا تفرض ضريبة على الإنسان بسبب وزنه، وإنما اجعل البيئة التي تنتج السمنة أكثر تكلفة.
فتُفرض الضرائب على المنتجات عالية السكر، وتُنظم الإعلانات الموجهة للأطفال، وتُحسن الوجبات المدرسية، وتتوفر أماكن المشي والرياضة، ويُشجع الغذاء الصحي، وتقدم برامج الوقاية والعلاج.
وهكذا لا تعاقب الدولة السمين، وإنما تحاول الحد من الأسباب التي تدفع المجتمع نحو السمنة.
المفارقة الجميلة في ميزان العمدة
ربما كان أهل هاي ويكومب أكثر حكمة مما يبدو لأول وهلة.
لقد أخذوا قضية سياسية معقدة وحولوها إلى ميزان.
كانوا يقولون للعمدة، بصورة ساخرة:
لقد دخلت إلى المنصب وأنت تحمل وزناً معيناً؛ فهل خرجت منه وقد أخذت شيئاً إضافياً؟
أما نحن اليوم فأصبح لدينا سؤال أكثر تعقيداً:
كم يكلف المجتمع وزن الإنسان الزائد؟
وهنا لا يكفي أن نضع الإنسان على الميزان.
علينا أن نضع أيضاً فاتورة العلاج، وساعات العمل الضائعة، والإنتاجية المفقودة، وأمراض السكري والقلب، وتكاليف التأمين، والعبء على الأسرة والدولة على ميزان آخر.
وعندها قد نكتشف أن السمنة ليست مجرد رقم على الميزان، وإنما رقم آخر في ميزانية المجتمع.
لكن الفرق الجوهري هو أن عمدة هاي ويكومب كان يستطيع أن يختار مقدار ما يأكل، بينما لا نستطيع أن نفترض أن كل إنسان يعاني من السمنة اختار حالته بالطريقة نفسها.
ولهذا فإن السؤال الأكثر عدلاً ليس:
«كم يجب أن ندفع الشخص السمين؟»
بل: «كيف نجعل المجتمع أقل إنتاجاً للسمنة، وأقل تحميلاً لتكاليفها، من دون أن نحول المرض إلى جريمة والوزن إلى تهمة؟»
وهنا يصبح ميزان العمدة البريطاني أكثر من مجرد طرفة قديمة؛ يصبح استعارة جميلة لسؤال حديث جداً:
عندما ترتفع فاتورة السمنة، من الذي ينبغي أن يدفعها؟