د. منصور بن حلمي المطيري
ما يشهده قطاع الهجن في المملكة اليوم لم يعد مجرد تطوير لسباقات تراثية، بل هو مشروع حضاري يعيد تشكيل أحد أهم مكونات الهوية الوطنية، ويحول الإبل من رمز تاريخي إلى صناعة رياضية واقتصادية وثقافية متكاملة. وقد عمل الاتحاد السعودي لسباقات الهجن على تنظيم وحوكمة السباقات، بما يعكس رؤية الدولة في الاستثمار في التراث بوصفه موردًا مستقبلياً قادراً على خلق قيمة اقتصادية وسياحية وثقافية مستدامة، وذلك بقيادة رئيسه الطموح سمو الأمير فهد بن جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد، حفظه الله.
يمثل الاتحاد السعودي لسباقات الهجن اليوم أحد أبرز الأذرع الرياضية التي تعمل على تحويل الهجن إلى قطاع احترافي متطور، مستنداً إلى دعم الدولة وتوجيهاتها في تعزيز الرياضات التراثية ورفع مستوى حضورها محلياً ودولياً. وقد نجح الاتحاد خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة متكاملة تشمل تطوير الميادين، وتحديث أنظمة التحكيم، وإعداد لوائح تنظيمية للسباقات والمشاركين والرقابة على الهجن المشاركة، وتوسيع قاعدة المشاركين، وإطلاق بطولات ذات طابع احترافي تجذب المهتمين بها من داخل المملكة وخارجها.
وينظم الاتحاد السعودي لسباقات الهجن سنوياً أكثر من 10 مهرجانات وسباقات للهجن موزعة على أكثر من (24) ميداناً في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، بجوائز تفوق (250) مليون ريال. ومن أبرز هذه المهرجانات هو مهرجان ولي العهد للهجن في الطائف الذي دخل موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية كأكبر مهرجان لسباقات الهجن في العالم، إضافة إلى مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن. كما شهد هذا القطاع ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الملاك والمدربين، ما يعكس اتساع قاعدة الاهتمام بهذه الرياضة العريقة.
على المستوى الاقتصادي، أصبحت سباقات الهجن قطاعاً واعداً يحرّك أسواق نشطة لبيع الإبل المخصصة للسباقات، إذ تنفذ العديد من الصفقات الكبرى للهجن الفائزة بمبالغ عالية جداً، إضافة إلى توسع الاستثمارات في ميادين السباق، وتقنيات التدريب، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالقطاع كالنقل والإيواء. كما أسهمت البطولات السنوية في خلق فرص عمل جديدة في مجالات عدة كالتدريب، والإعلام الرياضي، وتنظيم الفعاليات، وتحفيز الاستثمار في هذه الرياضة وجذب مشاركات من دول مختلفة، مما يعزز دور الهجن كقطاع اقتصادي نامي.
أما البعد الثقافي، فيظل الركيزة الأهم لهذه الرياضة، إذ تعيد سباقات الهجن إحياء إرث عميق ارتبط بحياة الإنسان في الجزيرة العربية، وتقدم للأجيال الناشئة نافذة للتعرف على تاريخ الإبل ودورها في التنقل والتجارة والحياة اليومية للأجداد. وقد حرص الاتحاد على تعزيز هذا الجانب عبر برامج تعليمية، ومعارض تعريفية، ومبادرات تستهدف إشراك الشباب في هذه الرياضة الأصيلة.
إن ما يقدمه الاتحاد السعودي لسباقات الهجن اليوم يعكس رؤية المملكة في الحفاظ على التراث، وتنمية الاقتصاد، وتعزيز السياحة، وصناعة رياضة وطنية ذات حضور عالمي. ومع استمرار هذه المهرجانات والبطولات السنوية، تتأكد حقيقة أن الهجن ليست مجرد موروث، بل مستقبل واعد يتشكل بخطى ثابتة، متسقاً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.