صالح الشادي
ثلاثة أعوام مضت على رحيل أمي الغالية رحمة السعيد -رحمها الله رحمة واسعة-، وكلما مرت ذكراها، وقفت أمام نافذة الذاكرة أتأمل ذلك اليوم الذي انطفأ فيه قنديل بيتنا، وكان القلب يخفق بين ألم الفقد وجمال الذكرى. في تلك الليلة التي سكنت فيها أمي إلى جوار ربها، لم يكن حزني وحدي، بل كان حزن كل من عرفها، وكأنها لم تكن أمي وحدي، بل أما لكل من لمست يدها الطيبة قلوبهم.
ومضت الأيام، وبقي الأثر، ففي كل عام، تعودُ بي الذكرى إلى مشهد العزاء الذي كان لوحةً إنسانية نادرة. لم يمض غير يوم واحد على رحيلها، حتى وصلتني برقية عزاء من مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، ومن سمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -أدام الله عزه-، تحمل في طياتها أصدق عبارات المواساة، وتختتم بأدعية صادقة كأنها نور يسبق الدموع ويداوي الجراح. لم تكن البرقية مجرد حروف، بل كانت رسالة أب حنون يشارك أبناءه آلامهم، ويذكرهم بأنهم ليسوا وحدهم في محنتهم، وأن هناك من يرفع الدعاء لهم من أعلى منصب في البلاد.
تتابعت بعدها اتصالات أمراء المناطق، وتعاقبت مواساة المحبين من كل صوب، يتوافدون في أيام العزاء ليذكروا لنا مواقف الفقيدة التي غابت عنا، عن يدها الممدودة للفقراء، وابتسامتها التي كانت تمسح هموم الجيران قبل أن يبوحوا بها، وعن أثرها الطيب في قلوبهم. كنت أسمعهم يروون عنها حكايات كأنها درر كانت مدفونة في رمال العمر، أخرجها الحزن لتتلألأ في وجوه الحاضرين، فأيقنت أن قيمة الإنسان ليست في أيام حياته، بل في ما يتركه في النفوس من صدى لا يمحى، وفي ما يزرعه في دروب العمر من بذور خير تثمر بعد الرحيل. وهنا تذكرت قول الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فأيقنت أن أمي تركت لنا من الصدقات الجارية ما لا يحصى، ومن الذكرى العطرة ما سيبقى ما بقيت السماء والأرض.
وهذا المشهد الذي عايشته في عزائها، أيقنت أنه يتكرر في كل قرية ومدينة على ثرى هذا الوطن، حيث التلاحم والتآزر سمة ثابتة بين كل أطياف المجتمع. فما من بيت توفي فيه ميت، إلا وتجد الجيران يسبقون العائلة إلى المواساة، والأصدقاء يتسابقون إلى التخفيف، وكأن المصاب مصاب الجميع. ومع وجود التقنية، أصبح الكل يعبر عن أصالته وواجبه تجاه أخيه، فأضحى العزاء الإلكتروني امتداداً للحضوري، والكلمة المكتوبة تصل حيث لا تصل الخطى، وكل ذلك يؤكد عمق النسيج الاجتماعي في بلادنا، وأن التكافل ليس شعاراً، بل سلوكاً متأصلاً في النفوس كتأصل الماء في جذور النخيل.
غير أن الأمر الأكثر إشراقاً في الروح، هو ذلك التلاحم بين هذه القيادة العظيمة وهذا الشعب الوفي، حيث القيادة تبادر بالعزاء قبل أن يطلب، وتضع يدها على رأس كل مفجوع كأنه ابنها، ويقابل الشعب هذه الرعاية بحب لا حدود له، وولاء لا يتزعزع. وهنا تتجلى حكمة الباري -سبحانه- في قوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (29) سورة الفتح، فكانت هذه الرحمة بين القيادة والمواطن هي عنوان القوة، وكأن تاريخ السعودية كله يروي هذه الملحمة المتجددة، حيث القيادة أب حنون، والشعب أبناء بررة، يجمعهم الحب والهدف. ولقد صدق الله -عز وجل- في محكم تنزيله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (10) سورة الحجرات، وصدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
اليوم، وبعد ثلاث سنوات، ما زال أثر أمي في قلبي نابضاً، وما زالت ذكراها تفيض حنوا كلما تذكرت تلك الأيام التي وقف فيها الجميع معنا، من القيادة إلى الجيران، ومن الأهل إلى الغرباء. رحلت أمي، ولكنها تركت في قلبي درساً لن يمحى: أن الإنسان مهما عظم ألمه، فإن في مجتمعه من يخفف عنه، وفي قيادته من يعزيه، وفي دينه من يسليه.
رحلت، ولكنها أهدتني هذه الحقيقة الناصعة: أن الوطن ليس مجرد تراب نعيش عليه، بل هو روح تحيا به قلوبنا، وأسرة كبرى لا تترك أحداً من أبنائها وحيدا في محنته. وكلما تذكرت برقية الملك، وولي العهد واتصالات الأمراء، ودموع الأهل، تيقنت أن هذا الدين، وهذا الوطن، وهذه القيادة، هي نعمة لا تقدر بثمن، ورحمة لا تقاس بميزان، وأمانة في أعناقنا أن نردها بالوفاء، وأن نستحقها بالخير. فكان ما رأيناه خير شاهد على أننا في هذا الوطن جسد واحد، وقلب واحد، وأسرة واحدة، تتجلى فيها معاني الأخوة والإنسانية بأبهى صورها، وتظل هذه المواقف شاهدة على أن الخير فينا لا ينضب، وأن التلاحم بين القيادة والشعب ليس مجرد علاقة، بل هو صلة روح بروح، وقلب بقلب، ومصير بمصير، يكتب تاريخه بلغة القلوب قبل لغة السطور.