ثامر بن سعران السبيعي
في ميثاق الأمم المتحدة مادة تجيز فصل العضو الذي يمعن في انتهاك مبادئ المنظمة. لفظها واضح، وإجراؤها مرسوم. (ولم تطبق ولا مرة واحدة منذ 1945).
وفي الميثاق نفسه مادة تسقط حق التصويت عن المتأخر عن سداد اشتراكاته عامين. وهي تعمل كل سنة، في الأول من يناير، بلا اجتماع ولا تصويت ولا قرار- ويصدر بأسماء المشمولين بها كتاب من الأمين العام إلى رئيس الجمعية العامة، وأمام كل اسم المبلغ الواجب دفعه ليعود الصوت.
وثيقة واحدة، وصائغون، وسنة توقيع واحدة - ونتيجتان لا تلتقيان.
فما الذي يجعل قاعدة تعمل وأخرى تقرأ ولا تعمل؟
الجواب ليس في قوة اللفظ. هو في تركيب القاعدة. وكل قاعدة - في ميثاق دولي أو نظام شركة أو لائحة جمعية - تقوم على ثلاثة أعمدة: معيار يقاس به، وفاصل يقرر، ومحرك يبدأ. فانظر أيها حاضر وأيها غائب، تعرف سلفا أتعمل القاعدة أم تبقى حبرا.
وأوضح مختبر لهذا هو الميثاق نفسه - ففيه التركيبات كلها.
حين تجتمع الثلاثة: القاعدة تعمل بنفسها.
المادة التاسعة عشرة تجمع الأعمدة الثلاثة في سطرين.
معيارها محصى بالرقم: عامان كاملتان - لا وصف يحتمل التقدير، بل حساب يجريه محاسب.
وأثرها يقع بذاته: الحق يسقط بحكم النص، لا بقرار من الجمعية ولا بحكم من رئيسها. ودور الأمين العام أن يخطر لا أن يقرر.
واستعادته تلقائية: يدفع العضو فيعود صوته، بلا التماس ولا استئناف.
فلا تحتاج هذه القاعدة إلى أحد. ولهذا عملت.
وأبلغ دليل على قوتها ما جرى حين أوشكت أن تطبق على الكبار: ففي دورة الجمعية العامة التاسعة عشرة (1964–1965) كانت متأخرات عمليات حفظ السلام ستدخل دولتين دائمتي العضوية في طائلة المادة. فلم يعدل النص، ولم يصوت على وقفه - بل عطل المحل الذي يعمل فيه: انعقدت الدورة كلها بلا انتخاب نواب للرئيس ولا رؤساء للجان، وبلا إقرار جدول أعمال، وبلا تصويت واحد. ست وأربعون جلسة، وأربعة عشر قرارا، كلها بلا تصويت.
فالمادة تسقط حق التصويت - فأوقفوا التصويت سنة كاملة، فلم يبق حق يسقط.
وهذا أول درس يخرج به القارئ: القاعدة التلقائية لا تعطل بقرار، بل بإفراغ محلها. وهذا تعطيل لا يسجل في محضر ولا ينشئ سابقة.
حين يغيب المحرك: القاعدة صحيحة ساكنة..
ومادتا الوقف والفصل على النقيض.
معيارهما موصوف لا محصى - «الإمعان في انتهاك المبادئ»، ومن يقرر متى يصير الانتهاك إمعانا؟
وفاصلهما مركب - توصية من مجلس الأمن ثم قرار من الجمعية، ويكفي اعتراض عضو دائم واحد لمنع التوصية.
ولا محرك لهما أصلا - لا نص يقول من يتقدم، ولا متى، ولا ما الذي يوجب النظر.
وقارن بباب الدخول: هو الباب الوحيد الذي له محرك مسمى وله مصلحة - الدولة نفسها تتقدم بطلب. ولهذا عمل هذا الباب قرابة مائة وأربعين مرة، وبقي البابان الآخران على الصفر - بالآلة نفسها والنصاب نفسه.
فلا يصح تعليل الإهمال بصعوبة الإجراء: الإجراء نفسه نجح في الاتجاه المعاكس.
حين يغيب المعيار: السلطة كلها للفاصل
في الميثاق مادة تشترط في الدولة الطالبة للعضوية أربعة أوصاف: محبة للسلام، آخذة نفسها بالالتزامات، قادرة، راغبة.
وفي الميثاق نفسه مادة عن الأمين العام لا تشترط فيه وصفا واحدا - لا سنا، ولا خبرة، ولا اختصاصا، ولا حتى مدة ولاية. فالجهة مسماة بدقة والمعيار غائب تماما.
وكل ما نظنه من الميثاق في هذا الباب ليس منه: الخمسة أعوام القابلة للتجديد مصدرها قرار للجمعية العامة سنة 1946 - وفي القرار نفسه أن من المستحسن أن يقدم المجلس مرشحا واحدا لا غير، وأن يتجنب النقاش في الجمعية.
فالجمعية العامة، في أول شهر من عمرها، ضيقت على نفسها ما وسعه الميثاق عليها. والنتيجة بعد ثمانين سنة أنها لم ترد قط مرشحا وصلها.
وحيث لا معيار مكتوب، لا يبقى إلا التوازن. ومن رفض لا يملك أن يقول إنه استوفى شرطا - إذ لا شرط.
وحين لا يكون هناك نص أصلا
والميثاق لا يذكر الانسحاب. لا مادة له، ولا مهلة إخطار، ولا إجراء.
وليس هذا سهوا. فقد نوقشت المسألة في مؤتمر التأسيس سنة 1945، وانتهت اللجنة المختصة إلى (الامتناع عن التوصية بإدراج نص يحظره أو يجيزه)، وأودعت موقفها في تقرير لا يلزم. وقيل يومئذ في محضر أحد الوفود إن إحالة المسألة إلى تقرير لجنة تعني أن المؤتمر عجز عن مواجهتها فلجأ إلى التلميح.
والقاعدة التي تستخرج من هذا: حين لا ينص على باب، لا يمنع الفعل - يمنع شرطه. يبقى ممكنا بلا إجراء ولا مهلة ولا أثر معلوم.
ولما خلا الباب، صنعت أبواب بديلة لا عتبة لها:
إجراء إداري صار سلطة إخراج - وثائق التفويض، وهي ورقة يوقعها رئيس أو وزير وتنظر فيها لجنة من تسعة، ولا معيار في نظامها الداخلي لتمييز الحكومة الشرعية من غيرها. ومرتين في التاريخ أخرجت هذه الورقة ممثلين من المشاركة دون أن تمس العضوية - وفي إحداهما جاء ذلك بعد ثلاثة عشر يوما فقط من سقوط مشروع للفصل بالطريق المنصوص عليه.وخروج وقع ثم عاد فلم يسم خروجا - دولة أعلنت انسحابها سنة 1965، فلم تشطب من القائمة، ثم عادت سنة 1966 ببرقية تقول إنها «تستأنف التعاون»، فدعيت إلى مقعدها بلا طلب قبول جديد وبلا تصويت.
فحيث لا نص، لا أثر مقيس - لا في الخروج ولا في العودة.
وقبل هذا كله: بأي نص نقيس؟
وثمة شرط سابق على الأعمدة الثلاثة يغفل عنه القارئ العربي خاصة.
النص الذي نقرؤه بالعربية ترجمة. فالميثاق محرر بخمس لغات متساوية الحجية - الصينية والفرنسية والروسية والإنجليزية والإسبانية - وليست العربية منها. وقد صارت لغة رسمية للمنظمة سنة 1973، بقرار قدمته دول عربية وغير عربية وتعهدت الدول العربية بتحمل تكاليف تنفيذه ثلاثة أعوام.
والفرق بين «رسمية» و«ذات حجية» هو الفرق بين خدمة وسلطة: الأولى تترجم إليها الوثائق، والثانية يرجع إليها عند الخلاف على المعنى.
وأثر هذا عملي لا نظري. فدرجات الشدة في القرارات مرتبة ترتيبا مقصودا: «تحيط علما» دون «تعرب عن قلقها» دون «تأسف» دون «تشجب» دون «تدين». وقد وقع في قرار شهير قريب أن نقل فعل يفيد اللوم دون الإدانة بلفظ الإدانة - فارتفعت الدرجة درجة كاملة في العبور، ووصل إلى القارئ نص أشد مما اتفق عليه.
فمن بنى حكما على لفظ بعينه دون أن يقابله بلغة ذات حجية، بنى على صورة عن النص لا على النص.
أربعة أسئلة تصلح لكل لائحة
وما تقدم ليس شأنا أمميا خالصا. هو أداة تستعمل في نظام شركة وعقد شراكة ولائحة جمعية ومذكرة تفاهم. وأربعة أسئلة تكفي:
- ما المعيار؟ أمحصى هو أم موصوف؟ فالموصوف يحتاج من يقدره، ومن يقدره يملكه.
- من الفاصل؟ وهل يستطيع طرف واحد فيه أن يمنع وحده؟
- من المحرك؟ ومن الذي له مصلحة في أن يبدأ؟ فالقاعدة التي لا طالب لها تبقى صحيحة التركيب معطلة الحركة.
- وهل الأثر يقع بذاته أم ينتظر من يوقعه؟ فهذا وحده يفصل بين قاعدة تعمل وقاعدة تقرأ.
وإن كانت الوثيقة مترجمة، فسؤال خامس: أقابلت اللفظ بأصله قبل أن تبني عليه؟
وخلاصة تختصر في سطر: ثمانون سنة من الممارسة تقول إن متانة القاعدة ليست في فخامة لفظها ولا في علو الجهة التي أصدرتها. متانتها في ألا تحتاج إلى أحد.