ناصر بن فريوان الشراري
تستفز المخيلة العسكرية مشاهد الدبابات الممتدة على مدّ البصر، وأرقام الرؤوس النووية المكدّسة في الصوامع تحت الأرض، والصواريخ العابرة للقارات، وفي مقدمتها صاروخ «سارمات» الروسي الذي التصق به في الأدبيات الغربية اسم «الشيطان»، غير أن الواقع الميداني الصارم يكشف أن الضخامة العددية لا تعني، بالضرورة، نجاعة تكتيكية، وأن الترسانات الهائلة، حين تُدار بعقلية الحرب التقليدية، قد تبدو كهيكل ثقيل أمام تفوق تكنولوجي يقوم على المعلومة الدقيقة، والاستخبارات الفورية، وسرعة اتخاذ القرار.تتجلى هذه المفارقة عند مقارنة الأداء الروسي في أوكرانيا بنمط العمليات الأمريكية - الإسرائيلية في ساحات أخرى، فروسيا بما تملكه من قوة عسكرية هائلة وواحدة من أضخم الترسانات النووية في العالم، لا تزال تخوض حرب استنزاف طويلة ومعقدة، بينما تُدار عمليات الطرف الآخر، في عدد من الساحات الإقليمية، بدقة أقرب إلى المشرط الجراحي، إذ قد لا يفصل بين اكتشاف الهدف، وتثبيت موقعه، واتخاذ قرار استهدافه، وتحويله إلى خبر بعد عين، سوى دقائق معدودة.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن القوة الروسية فقدت قيمتها، ولا أن السلاح النووي أو التفوق العددي أصبحا بلا جدوى، بل تعني أن أدوات الردع الاستراتيجي لا تؤدي بالضرورة وظائف الاستهداف التكتيكي الدقيق، وأن الهيبة العسكرية في الحرب الحديثة لم تعد تُبنى على حجم الترسانة وحده، وإنما على قدرة الدولة على وصل المعلومة بالسلاح، واختصار المسافة الزمنية بين الرصد والتنفيذ.
من هنا، يمكن فهم الفوارق بين المنظومتين من خلال ثلاثة مرتكزات إستراتيجية رئيسة:
أولاً: عقيدة «الردع الشامل» في مواجهة «الحرب الشبكية»
بُني جانب كبير من العقيدة العسكرية الروسية لردع قوى عظمى والاستعداد لمواجهة عالمية واسعة ومتكافئة، ولذلك صُممت الصواريخ العابرة للقارات، والقاذفات الاستراتيجية، والتشكيلات المدرعة الثقيلة، لخوض معارك كبرى تقوم على الردع، والفتح، والسيطرة المساحية، وتدمير القدرات العسكرية للخصم على نطاق واسع.
غير أن السلاح المصمم لتهديد قارة كاملة ليس بالضرورة، الأداة الأنسب لملاحقة هدف متحرك، أو اقتناص شخصية محاطة بطبقات من الحماية الأمنية والاستخبارية، فهذه ليست مسألة ضعف في القدرة التدميرية، بقدر ما هي اختلاف في الوظيفة، إذ قد يمتلك الطرف قوة قادرة على إحداث دمار هائل، لكنه يفتقر إلى المعلومة الآنية التي تضع هدفاً صغيراً داخل دائرة الاستهداف في اللحظة المناسبة.
وفي المقابل، يرتكز النموذج الأمريكي - الإسرائيلي على مفاهيم «الحرب القائمة على الشبكات»، حيث لا يُقاس التفوق بحجم القنبلة وحده، بل بالمدة الفاصلة بين اكتشاف الهدف وإصابته، وتكمن القوة هنا في دمج الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، ووسائل التنصت، والمصادر البشرية، ومراكز القيادة، والأسلحة الدقيقة داخل شبكة واحدة تختصر دورة الاستهداف إلى أقصى حد ممكن.في هذا النموذج، تتحول إشارة هاتف، أو صورة تلتقطها مسيّرة، أو حركة غير معتادة ترصدها خوارزمية، إلى معلومة قابلة للتحليل، ثم إلى إحداثية، فقرار، فضربة. إنها سيادة لا تقوم على القوة النارية المجردة، بل على الذكاء الاصطناعي، والاستطلاع المستمر، والاتصال الآمن، وسرعة انتقال المعلومة من «العين» التي ترى إلى «اليد» التي تضرب.هنا يتغير ميزان القيمة العسكرية: فقد تصبح الثانية الواحدة أثمن من دبابة، وخط الاتصال الآمن أكثر تأثيراً من كتيبة، والمعلومة الصحيحة في توقيتها أخطر من صاروخ لا يعرف أين يذهب.
ثانياً: المظلة الاستخبارية في مواجهة الاختراق الأمني
في الساحة الأوكرانية، لا يواجه الجيش الروسي دولة معزولة تعمل بإمكاناتها الذاتية فقط، بل يواجه منظومة دعم غربية واسعة توفر لكييف مظلة استخبارية وتقنية متكاملة. وتتحرك القيادة الأوكرانية داخل بيئة تستفيد من الاتصالات المشفرة، والشبكات الفضائية، وقدرات الاستطلاع والإنذار المبكر، والتدفق المستمر للمعلومات من الحلفاء الغربيين.
وتجعل هذه المظلة الوصول إلى قمة الهرم الأوكراني أمراً بالغ التعقيد، تكنولوجياً وأمنياً وسياسياً. فالمسألة لا تتعلق بمعرفة الموقع وحدها، وإنما بالقدرة على التحقق منه، وتجاوز وسائل التضليل والتمويه، وضمان إصابة الهدف، ثم تقدير التداعيات السياسية والعسكرية التي قد تترتب على ذلك.
أما في ساحات أخرى، فإن النجاح المذهل في اصطياد القيادات لا يبدأ من الطائرة أو الصاروخ، بل من اختراق البيئة الأمنية المحيطة بالهدف، فالتغلغل داخل شبكات الاتصال، والوصول إلى البيانات الحساسة، وكشف أنماط الحركة والإقامة، وتجنيد المصادر البشرية، كلها حلقات تسبق الضربة وتحدد فرص نجاحها.
وحين تتداعى الحماية السيبرانية، أو تُخترق الدائرة البشرية الضيقة، أو يصبح الهاتف الشخصي دليلاً يقود إلى صاحبه، تحل التكنولوجيا السريعة محل الجيوش الجرارة. عندها قد تكفي معلومة موثوقة، واتصال فوري، وسلاح دقيق، لإنجاز هدف كان يتطلب في الماضي حملة عسكرية كاملة.
ولذلك فإن الضربة التي تبدو، في ظاهرها، إنجازاً للصاروخ، ليست في حقيقتها سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من العمل الاستخباري، فالسلاح لا يرى بنفسه، ولا يختار هدفه بنفسه؛ وإنما يستمد فاعليته من «العين» التي تكتشف، و»العقل» الذي يحلل، و»الشبكة» التي تنقل القرار قبل أن يختفي الهدف.
ثالثاً: قواعد اللعبة وحسابات الكلفة السياسية
لا تُدار الحروب بالقدرة العسكرية وحدها، فهناك دائماً قواعد اشتباك، وخطوط حمراء، وحسابات تتصل بما سيحدث في اليوم التالي للضربة، ولهذا تختلف كلفة استهداف قائد ميداني أو مسؤول في جماعة مسلحة عن كلفة استهداف رأس السلطة في دولة ذات سيادة، ولا سيما إذا كانت تلك الدولة تحظى بحماية سياسية واستخبارية من قوى كبرى.إن اغتيال رئيس دولة مجاورة قد يكسر آخر قواعد اللعبة، ويفتح أبواب المعاملة بالمثل، ويوسع نطاق الحرب على نحو يصعب احتواؤه، كما قد يلغي أي فرصة مستقبلية للتفاوض أو التسوية، ومن ثم، لا ينبغي تفسير عدم تنفيذ مثل هذا السيناريو بوصفه دليلاً قاطعاً على العجز، فقد يكون الامتناع عنه قراراً سياسياً تفرضه حسابات الردع، والتصعيد، ومستقبل الحرب.في المقابل، تُدرج عمليات الاستهداف الدقيق في حروب الوكلاء والصراعات الإقليمية ضمن استراتيجية «قطع رأس الأفعى»، التي تهدف إلى شل حركة الخصم، وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، وإحداث فراغ داخل هيكليته في أقصر وقت ممكن، غير أن نجاح هذه الإستراتيجية لا يكون متساوياً في كل الحالات، فبعض التنظيمات تنهار بفقدان قياداتها، بينما تمتلك تنظيمات أخرى بنية مرنة تسمح لها بالتعويض والاستمرار.
هنا يظهر الفارق بين امتلاك القدرة على الضرب واتخاذ القرار باستخدامها، فقد تكون الإحداثية متاحة، والسلاح جاهزاً، والطائرة في الجو، لكن الحساب السياسي يمنع الضغط على الزناد، وقد يحدث العكس تماماً: يكون القرار السياسي حاضراً، لكن غياب المعلومة الدقيقة يجعل القوة النارية عاجزة عن الوصول إلى هدفها.
من يمتلك «العين» يمتلك لحظة الحسم
لم تعد الحرب الحديثة تُحسم بوزن الحديد وحده، ولا بعدد الصواريخ الرابضة في الصوامع، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تبدأ بجمع المعلومة، وتمر بتحليلها والتحقق منها، وتنتهي بوصول السلاح إلى هدفه قبل أن يغيّر موقعه أو يختفي.
فالقوة في عصرنا ليست مجرد امتلاك وسيلة تدمير هائلة، وإنما امتلاك القدرة على معرفة أين ومتى وكيف تُستخدم. وقد أثبتت الوقائع أن الترسانات الكبرى، مهما بلغت رهبتها، قد تصبح ثقيلة الحركة إذا انفصلت عن الاستخبارات الفعالة، في حين يستطيع سلاح أصغر أن يصنع أثراً استراتيجياً أكبر حين يكون متصلاً بعين لا تنام، وشبكة لا تتأخر، وقرار يعرف متى يتحرك.ولهذا انتقلت معادلة التفوق من سؤال: من يملك السلاح الأكبر؟ إلى سؤال أكثر حسماً: من يرى أولاً، ويفهم أسرع، ويصل إلى هدفه في اللحظة المناسبة؟وعليه، فإن ما يتراجع اليوم ليس بالضرورة القوة الروسية نفسها، بل الصورة التقليدية للهيبة العسكرية القائمة على ضخامة الترسانة وحدها، فحروب هذا العصر لا تعترف بـ»الشيطان» المكبل بالحديد بقدر ما تعترف بـ»العين» التي ترى كل شيء في الظلام.