د. عبدالمحسن الرحيمي
صدر أمر ملكي كريم بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري»، في خطوة تمثل تطورًا مؤسسيًا مهمًا في مسيرة العمل الخيري السعودي، وتؤكد توجه المملكة نحو بناء قطاع غير ربحي أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على تعظيم أثره الاجتماعي والاقتصادي. ويأتي هذا التحول بعد أكثر من خمس سنوات استطاعت خلالها «إحسان» أن تبني نموذجًا وطنيًا للعمل الخيري الرقمي، وأن تعزز الثقة بين المتبرع والمستفيد، وأن تجعل التقنية جزءًا أساسيًا من منظومة العطاء.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحول؛ فقد تجاوزت التبرعات العامة عبر المنصة 17 مليار ريال، فيما تجاوزت تبرعات صندوق إحسان الوقفي 2.5 مليار ريال، وبلغ عدد عمليات التبرع أكثر من 442 مليون عملية، واكتملت أكثر من 33.5 ألف فرصة، عبر شبكة تضم 3,613 جمعية شريكة. وهذه الأرقام لا تعبر فقط عن حجم الأموال التي انتقلت من المتبرعين إلى مستحقيها، وإنما تكشف عن تحول اجتماعي أوسع يتمثل في قدرة المملكة على بناء بنية رقمية واسعة لحشد العطاء وتنظيمه وتوجيهه، وهو تحول يجعل من الطبيعي أن تتطور معه فلسفة العمل الخيري نفسها، بحيث لا يبقى الاهتمام منصبًا على حجم ما يُجمع من تبرعات، وإنما يمتد إلى معرفة ما أحدثته هذه الموارد في حياة الإنسان والمجتمع.
ومن هنا تبرز، في تقديري، مرحلة أكثر عمقًا في تطور العمل الخيري، تتمثل في الانتقال من الثقة في وصول العطاء إلى الثقة في أثره. ولا يعني ذلك بأي حال تجاوز الإحسان أو التقليل من قيمة العمل الخيري؛ فالإحسان قيمة دينية وإنسانية راسخة، والمساعدة المباشرة ستظل ضرورة في المرض والعجز والكوارث والفقر والحالات التي لا تحتمل الانتظار، غير أن التحدي يظهر عندما تتحول المساعدة المؤقتة إلى علاقة دائمة، بينما تكون أسباب الاحتياج نفسها قابلة للعلاج. ومن هذه المنطقة تحديدًا يأتي مفهوم «العلاج التمكيني»، الذي أقصده باعتباره انتقالًا من مجرد معالجة الحاجة إلى بناء القدرة على تجاوزها، متى كان ذلك ممكنًا وملائمًا لطبيعة الحالة.
فقد يحتاج الإنسان إلى مساعدة مالية في لحظة معينة، بينما تكون حاجته الأعمق مرتبطة بالتدريب أو التأهيل أو الحصول على فرصة عمل أو تمويل مشروع صغير أو الوصول إلى السوق، وقد تحتاج أسرة إلى مساعدة عاجلة في ظرف طارئ، بينما يكون استمرار احتياجها مرتبطًا بغياب مصدر دخل مستدام، وقد يحتاج مريض إلى علاج ينقذ حياته، ثم يصبح تمكينه بعد العلاج من العودة إلى العمل والحياة الطبيعية جزءًا آخر من الأثر الذي ينبغي أن نفكر فيه. وفي هذه الحالات لا يصبح معيار النجاح هو حجم ما قدمناه للإنسان فحسب، وإنما ما إذا كان ما قدمناه قد أضاف إلى قدرته على إدارة حياته واستعادة استقلاله، وهو انتقال في فلسفة العمل الاجتماعي يتجاوز مفهوم الإعانة إلى مفهوم بناء القدرة.
وهذا التحول لا يعني إلغاء قياس حجم التبرعات أو عدد المستفيدين أو الفرص المكتملة، وإنما إضافة مستوى أكثر عمقًا من القياس؛ فبإمكاننا أن نعرف عدد السلال الغذائية التي وُزعت، وعدد الحالات الطبية التي عولجت، وعدد الأسر التي تلقت الدعم، لكن يمكننا أيضًا أن نعرف عدد الأسر التي خرجت من دائرة الاحتياج، وعدد المرضى الذين عادوا إلى حياتهم الطبيعية، وعدد الشباب الذين انتقلوا من الاعتماد على الدعم إلى الإنتاج، وعدد المشاريع التي بدأت بتمويل خيري ثم أصبحت قادرة على الاستمرار. وعند هذه النقطة يتحول الأثر من نتيجة جانبية للعمل الخيري إلى معيار أساسي في تقييم نجاحه، لأن قيمة العطاء لا ترتبط فقط بقيمته المالية، وإنما بما أحدثه من تحول قابل للرصد في حياة الإنسان.
وقد يكون هذا هو الفارق بين العطاء الذي ينتهي بانتهاء الحاجة والعطاء الذي يتحول إلى قدرة تستمر بعد انتهاء التمويل. فقد تكون مساعدة الأسرة على سداد التزام عاجل هي القرار الصحيح والأكثر إنسانية في لحظة معينة، بينما قد يكون التدريب المهني أو التأهيل الوظيفي أو دعم مشروع منتج هو الخيار الأكثر أثرًا في حالة أخرى. ولذلك يمكن النظر إلى بعض صور العطاء باعتبارها استثمارًا اجتماعيًا لا مجرد إنفاق اجتماعي؛ فالعطاء هنا لا يقتصر على تخفيف أثر المشكلة، وإنما يسهم في بناء قدرة بشرية يمكن أن تستمر وتنتج أثرًا يتجاوز لحظة التبرع الأولى.
ويمتد هذا المفهوم بطبيعة الحال إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي يمكن أن تنتقل من تمويل المبادرات باعتبارها بنودًا في ميزانيات المسؤولية الاجتماعية إلى تصميم تدخلات تقيس أثرها وتربط التمويل بالنتائج. فالشركة تستطيع أن تمول برنامجًا تدريبيًا، لكنها تستطيع أن تربطه بالتوظيف، ويمكنها أن تدعم رائد أعمال، لكنها تستطيع أن تربطه بالسوق، كما يمكنها أن تمول مشروعًا اجتماعيًا، لكنها تستطيع أن تساعده على الوصول إلى الاستدامةالمالية. وفي هذه الحالة تصبح المسؤولية الاجتماعية أكثر من ميزانية تُنفق؛ تصبح قدرة تُبنى وأثرًا يُقاس، ويتحول القطاع غير الربحي من مجرد مستقبل للتمويل إلى شريك في التنمية وبناء رأس المال الاجتماعي.
ومن هنا يمكن قراءة المرحلة الجديدة لـ«إحسان» باعتبارها فرصة لتطوير فلسفة العمل الخيري السعودي، لا باعتبارها مجرد تغيير في الشكل المؤسسي. فقد استطاعت «إحسان» خلال مرحلتها السابقة أن تجيب عمليًا عن سؤال الثقة في وصول التبرع إلى مستحقه، وأن تبني بنية رقمية واسعة جعلت المتبرع أقرب إلى الفرصة الخيرية، وأتاحت للجمعيات الوصول إلى قاعدة أوسع من الدعم، لكن المرحلة القادمة يمكن أن تضيف إلى هذه الثقة مستوى جديدًا يتمثل في الثقة في الأثر؛ أي أن يعرف المتبرع ليس فقط أين ذهب ماله، وإنما ما الذي صنعه هذا المال في حياة المستفيد والمجتمع.
وهنا يمكن للبيانات والتقنية والذكاء الاصطناعي أن تتجاوز دورها في تسهيل عملية التبرع إلى دور أكثر أهمية في فهم الاحتياج، وتحديد التدخل الأكثر ملاءمة، وربط الموارد بالحالات، ومتابعة النتائج، وقياس الأثر على المدى البعيد. وبذلك تصبح التقنية أداة لتحسين القرار الاجتماعي نفسه، وليس مجرد قناة إلكترونية لنقل الأموال، وهو ما يمكن أن يفتح أمام القطاع غير الربحي السعودي مجالًا واسعًا للانتقال من العمل القائم على حجم النشاط إلى العمل القائم على جودة النتائج واستدامة الأثر.
ومع ذلك، فإن العلاج التمكيني لا ينبغي أن يتحول إلى معيار اقتصادي يختزل الإنسان في قدرته على العمل والإنتاج؛ فهناك طفل يحتاج إلى الرعاية، ومريض يحتاج إلى العلاج، ومسن يحتاج إلى العون، وأسرة تمر بأزمة لا تملك معها رفاهية انتظار برنامج تمكين طويل، وفي مثل هذه الحالات يكون الإحسان المباشر هو الاستجابة الصحيحة، وقد يكون هو التمكين نفسه. ولذلك فإن العلاقة بين الإحسان والتمكين ليست علاقة إلغاء واستبدال، وإنما علاقة تكامل؛ الإحسان حيث تكون الحاجة عاجلة، والتمكين حيث يمكن بناء الاستقلال، مع بقاء كرامة الإنسان وخصوصية حالته في مركز القرار.
والتحول الأعمق الذي يمكن أن ينتج عن هذه الرؤية هو إعادة النظر في موقع المستفيد داخل منظومة العطاء؛ فالمستفيد ليس بالضرورة نهاية سلسلة العمل الخيري، وإنما يمكن أن يصبح جزءًا من استمرارها، فالإنسان الذي تلقى الدعم اليوم قد يصبح غدًا موظفًا أو صاحب مشروع أو متطوعًا أو مانحًا، وبذلك لا ينتهي أثر العطاء عند لحظة وصوله إلى المستفيد، وإنما يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل. وعندها يصبح العطاء قادرًا على إنتاج نفسه اجتماعيًا، لأن الإنسان الذي مُكّن من الوقوف يستطيع أن يساعد غيره على الوقوف.
لقد أثبتت «إحسان» أن المملكة قادرة على حشد مليارات الريالات ومئات الملايين من عمليات التبرع، وأن التقنية يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين المتبرع والفرصة الخيرية والجمعية والمستفيد. لكن المرحلة التالية من هذا التطور قد تكون أكثر أهمية، لأنها ستنقلنا من السؤال عن حجم العطاء إلى السؤال عن قيمة التحول الذي يصنعه العطاء، ومن مجرد التأكد من وصول الموارد إلى القدرة على معرفة ما إذا كانت هذه الموارد قد أحدثت فرقًا مستدامًا في حياة الإنسان.
وهنا يكتسب العلاج التمكيني معناه الحقيقي؛ فهو لا يدعو إلى تقليل الإحسان، ولا إلى استبدال المساعدة المباشرة بمشروعات اقتصادية، وإنما يدعو إلى إضافة بعد جديد إلى فلسفة العطاء، بحيث ننتقل من معالجة أثر الحاجة إلى بناء القدرة على تجاوزها، ومن مساعدة الإنسان على الوقوف إلى مساعدته على استعادة قدرته على المشي، ومن قياس حجم العطاء إلى قياس حجم التحول الذي أحدثه العطاء.
لقد بنت «إحسان» الثقة في العطاء، وقد تكون المرحلة القادمة هي بناء الثقة في الأثر؛ لأن مستقبل العمل الخيري في المملكة لن يقاس فقط بما نستطيع أن نعطيه، وإنما بما نستطيع أن نصنعه بما نعطيه، وبقدرتنا على تحويل العطاء من استجابة للحاجة إلى قوة لبناء الإنسان والمجتمع.
وهنا يصبح أعظم معيار للعطاء السعودي ليس حجم ما قُدّم، وإنما حجم الحياة التي استطاع أن يغيّرها.