رمضان جريدي العنزي
السوشيال ميديا لم تصنع كثيرًا من الوجوه الزائفة، لكنها نزعت عنها الأقنعة، وأظهرتها على حقيقتها؛ كشفت من كان يتدثر بالمبادئ وهو أول من يطعنها، ومن يتغنى بالأخلاق وهو أبعد الناس عنها، ومن يرفع راية التواضع بينما لا يرى في هذا العالم إلا نفسه، لقد أتاحت للجميع أن يتحدثوا، فتكلم بعضهم حتى فضح نفسه بلسانه، وكشف تناقضه بيده، وأسقط بالصورة والفيديو تلك الهالة التي ظل سنوات يصنعها حول ذاته ويطلب من الآخرين تصديقها.
في السابق، كان بإمكان الإنسان أن يخفي تناقضه خلف المجالس، وأن ينتقي كلماته بعناية، وأن يظهر للناس بالوجه الذي يريد، أما اليوم، فقد أصبح هاتفه شاهدًا عليه؛ ما يكتبه، وما يقوله، وما يصوره، وما ينشره، وما يفعله حين يظن أنه يلمّع نفسه، كلها شواهد متراكمة ترسم ملامح شخصيته، وتكشف الفرق الفاضح بين ما يدّعيه وما يعيشه، والأشد سخرية أن بعضهم يدخل المنصات ليصنع لنفسه صورةً مثالية، فإذا به يهدمها بنفسه منشورًا بعد منشور، وموقفًا بعد موقف، يرفع شعار القيم ثم يخرقها، ويتحدث عن الكرامة ثم يبيعها، وينادي بالتواضع ثم لا يحتمل أن يُحجب عنه التصفيق.
السوشيال ميديا ليست دائمًا منصةً لصناعة المجد، أحيانًا تكون محكمةً مفتوحة، لا قاضيا فيها إلا ما يكتبه الإنسان بيده، ولا شاهدا فيها إلا أرشيفه، ولا حاجة فيها إلى خصمٍ يفضحه، لأنه تكفّل بالمهمة بنفسه، فالإنسان قد يخدع الناس سنوات، لكنه لا يستطيع أن يخدع كل منشوراته ومواقفه، وما يظنه بعضهم توثيقًا لمجده، قد يتحول مع الأيام إلى سجلٍّ كامل يثبت عكس ما ادّعاه، وفي زمنٍ أصبحت فيه الذاكرة الرقمية لا تنسى، لم يعد السؤال: ماذا يقول الناس عنك؟ بل: ماذا تركتَ أنت عن نفسك ليقوله الناس؟
السوشيال ميديا لم تفضح الناس؛ الناس هم الذين فضحوا أنفسهم بأنفسهم، من ظن أن كثرة الكلام تصنع له قدرًا، وأن كثرة الظهور تمنحه قيمة، وأن التصفيق يثبت مكانته، نسي أن الزمن لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ المواقف، فالأقنعة قد تخدع العيون، لكنها لا تصمد أمام التكرار، وما يكتبه الإنسان بيده، ويقوله بلسانه، ويفعله أمام الناس، قد يصبح يومًا أقوى شاهدٍ عليه، ومن أراد أن يعرف حقيقة رجل، فلا ينظر إلى ما يقوله عن نفسه، بل إلى ما تكشفه أفعاله حين تسقط عنه الحاجة إلى التجمّل، فهناك، تحديدًا، تسقط الأقنعة، وتظهر الحقيقة عاريةً لا تحتاج إلى مَن يفضحها.