لعقود طويلة، كانت صناعة السيارات واحدة من أبرز رموز التفوق الصناعي الأمريكي والأوروبي والياباني. أسماء كبرى صنعت تاريخ هذه الصناعة، وبنت حولها سلاسل توريد ضخمة وخبرات متراكمة وعلامات تجارية يصعب منافستها. لكن التحول نحو السيارات الكهربائية أعاد توزيع الأوراق، وفتح الباب أمام قوة صناعية جديدة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل من المنافسة إلى قيادة المشهد.
الصين لم تدخل سباق السيارات الكهربائية باعتباره مجرد تحول من محرك الوقود إلى البطارية، بل تعاملت معه باعتباره صناعة إستراتيجية متكاملة. فاستثمرت مبكرًا في البطاريات، وسلاسل التوريد، والتقنيات، والبنية الصناعية، وشجعت الشركات المحلية حتى أصبحت تمتلك منظومة يصعب على المنافسين مجاراتها من حيث التكلفة وسرعة الإنتاج والتطوير.
ولعل شركة BYD تمثل أبرز صور هذا التحول. فالشركة التي لم تكن قبل سنوات طويلة اسمًا مألوفًا لدى المستهلك العالمي، أصبحت اليوم منافسًا مباشرًا لأكبر شركات السيارات، وتتوسع في أسواق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
أما تسلا، التي كان لها الدور الأبرز في نقل السيارة الكهربائية من منتج محدود إلى صناعة عالمية، فقد وجدت نفسها أمام منافسين صينيين يمتلكون قدرة هائلة على الإنتاج وتقديم سيارات بمواصفات وأسعار مختلفة. وهنا انتقلت المنافسة من سؤال: من يصنع أفضل سيارة كهربائية؟ إلى سؤال أكبر: من يسيطر على منظومة الصناعة نفسها؟
قوة الصين الحقيقية ليست في عدد السيارات التي تنتجها فقط، وإنما في قدرتها على السيطرة على أجزاء مهمة من سلسلة القيمة، من معالجة المواد المستخدمة في البطاريات، مرورًا بتصنيع الخلايا والمكونات، وصولًا إلى السيارة النهائية. وهذه ميزة تمنح شركاتها قدرة أكبر على التحكم في التكلفة وسرعة طرح المنتجات.
في المقابل، تواجه شركات السيارات التقليدية معضلة صعبة. فهي مطالبة بالمحافظة على أعمالها الضخمة في سيارات الوقود، وفي الوقت نفسه إنفاق استثمارات هائلة للحاق بالتحول الكهربائي، بينما يدخل المنافس الصيني السوق بهيكل تكلفة مختلف وسرعة تطوير أكبر.
لكن المعركة لم تُحسم بعد. الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكوريا تمتلك شركات عريقة وتقنيات متقدمة وقدرات مالية ضخمة، كما بدأت الحكومات الغربية في إعادة النظر في سياساتها الصناعية لحماية سلاسل التوريد المحلية وتقليل الاعتماد على الصين.
ومع ذلك، فإن الدرس الاقتصادي الأهم يتجاوز صناعة السيارات نفسها. الصين لم تنتظر حتى تنضج الصناعة الجديدة ثم تدخلها، بل دخلت مبكرًا وبنت سلسلة القيمة قبل أن تصبح السوق عالمية.
لقد غيَّرت السيارة الكهربائية قواعد صناعة ظلت لأكثر من قرن تحت قيادة أسماء ودول بعينها. واليوم تثبت الصين أن التفوق الصناعي لا يُورث، وأن من قاد السوق بالأمس ليس بالضرورة من سيقوده غدًا.
فالتحولات الصناعية الكبرى لا تحمي التاريخ، بل تكافئ من يصنع المستقبل قبل الآخرين.
** **
- عبدالله صالح الشماسي