د. طلال الحربي
حين يُعلَن عن تشكيل مجلس إدارة جامعة الملك سعود برئاسة سمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف، فإن المتأمل في هذا القرار لا يملك إلا أن يقف أمامه بكثير من التفاؤل والامتنان، إذ لا يُقرأ هذا التشكيل بمعزل عن المشهد الوطني الأشمل الذي تصنعه القيادة الرشيدة يوماً بعد يوم، مشهد يُعلي من قيمة المؤسسات، ويضع في رأسها من جمعوا بين العلم والتجربة والميدان.
جامعة الملك سعود ليست مجرد صرح أكاديمي من بين صروح، إنها في وجدان السعوديين شيء أعمق من ذلك بكثير. من بين جدرانها وممراتها وقاعاتها خرج غالبية رجال هذا الوطن ونسائه، حاملين شهاداتهم ومعهم شيء آخر لا يُمنح في الامتحانات؛ هوية علمية نَسَبُها الأول هذه الجامعة العريقة. لذا فإن الاهتمام القيادي بها ليس مجاملة بروتوكولية، بل هو استثمار واعٍ في الذاكرة الوطنية وفي المستقبل معاً، تماماً كما تُولي القيادة اهتمامها بسائر المؤسسات الجامعية في مسيرة بناء متكاملة لا تُفرّق بين لبنة وأخرى.
وإذا كانت جودة المجلس تُقاس في كل مكان بجودة رئيسه، فإن تكليف الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف بهذه المهمة يحمل دلالة بالغة، لأن سموه ليس رئيساً قادماً من خارج عالم الجامعة، بل هو ابنٌ من أبنائها بكل ما تعنيه الكلمة.
عرف الجامعة طالباً يبحث عن المعرفة، ثم معيداً يتشرّب أساليب البحث العلمي، ثم أستاذاً ينثر ما اكتسبه على أجيال لاحقة؛ فهو يفهم ما لا يستطيع كثير من المديرين فهمه: نبض الأستاذ حين يدخل قاعته، وهمّ الطالب حين يسعى لفرصة، ومعاناة الباحث حين يبحث عن تمويل. وهذا الفهم العضوي للبيئة الأكاديمية هو ما يجعل قيادته لهذا المجلس مختلفة من حيث الأساس.
بيد أن الأمير عبدالعزيز لم يكتفِ بما منحته الجامعة، فقد أضاف إليها من رحلة حياة لا تتكرر. حين أسّس جامعة الأمير سلطان، لم يكن مجرد موقّع على وثائق تأسيس، بل كان المهندس الحقيقي لمشروع أكاديمي بات اليوم نموذجاً يُشار إليه عالمياً في الشراكة بين القطاعين العام والخاص في التعليم العالي.
وحين تولّى أمانة مدينة الرياض، نزل إلى الميدان بكل تفاصيله، فعرف كيف تُدار المدن وكيف تُخطّط، وكيف يُترجَم القرار إلى واقع يلمسه المواطن. ثم جاءت تجربة نيابة الحرس الوطني التي جعلته يفهم المؤسسة العسكرية من الداخل بكل خصائصها وقيمها وانضباطها تلاها التكليف نائباً لوزير الداخلية لتُضيف إلى سيرته بُعداً أمنياً وإدارياً، . وهكذا نجد أمامنا رجلاً جمع الأكاديمية والإدارة والميدان والأمن في مسيرة واحدة متماسكة، وهو أمر نادر في أي سياق قيادي.
أما المجلس الذي يترأسه سموه، فقد جاء تشكيله في حد ذاته رسالةً واضحة. تحضر فيه وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، فيعرف المجلس كيف يضع الجامعة في قلب التحول الرقمي. ويحضر وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، فيربط المجلس بين مخرجات الجامعة وسوق العمل الوطني واحتياجاته الفعلية. ويجلس وزير النقل والخدمات اللوجستية إلى الطاولة ذاتها، فيُذكّر الجامعة بأن العلوم التطبيقية ليست ترفاً، بل هي عصب الاقتصاد الوطني.
ويؤكد حضور وزير التعليم الوصل الحيوي بين السياسات التعليمية الكلية وقرارات هذه المؤسسة الكبرى. وحين يأخذ رئيس هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي مقعده في هذا المجلس، فإن ذلك إعلان صريح بأن مستقبل الجامعة لن يُبنى إلا بأدوات العصر وبلغته. ولا تقل دلالةً عن ذلك كله حضور الدكتور إدوارد بيرن، رئيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وهو حضور يفتح نوافذ التعاون البحثي ويُبشّر بأن التنافس بين الجامعات الوطنية سيتحول إلى شراكة منتجة. ويضاف إلى ذلك صندوق الاستثمارات العامة بوصفه شريكاً استراتيجياً، وهيئة الملكية لمدينة الرياض التي ترسم ملامح عاصمة المستقبل، ثم جملة من الأكاديميين المتخصصين الذين يضخّون في المجلس روح الجامعة الحقيقية.
لعل أجمل ما في هذا التشكيل أنه كسر الجدار الوهمي بين الجامعة وما حولها، فلم يعد المجلس نادياً أكاديمياً منغلقاً على نفسه، بل غدا جسراً يصل المعرفة بالاقتصاد، والبحث بالتطبيق، والتعليم بالمجتمع. وهذا هو تحديداً ما أرادته القيادة لجامعة الملك سعود: ألّا تكون خزّاناً للشهادات، بل مصدراً حيّاً للطاقة الوطنية في كل اتجاهاتها.
وفي نهاية المطاف، يستطيع المرء أن يسأل: ومن لجامعة الملك سعود في هذه المرحلة الفارقة غير رجل جمع الجامعة والميدان والبناء في مسيرة واحدة؟ وما الذي يتوقعه المرء من مجلس هذا تكوينه، برئاسة هذا السمو، في ظل رؤية لا تعرف التردد ولا تقبل بأقل من التميز؟ الجواب يكتبه الواقع كل يوم، ولجامعة الملك سعود من تاريخها ما يُلزمها بالتفوق، ومن مجلسها الجديد ما يجعل ذلك التفوق أقرب من أي وقت مضى.