سليمان بن صالح المطرودي
كتبت قبل نحو سبعة عشر عامًا عن الحوافز في بيئة العمل، شذرات قلم نُشرت تحت عنوان: (الحوافز) ضرورة حتمية تتطلبها ظروف الموظف، هنا في صحيفتنا الغراء «الجزيرة» بالعدد رقم (13659) الصادر يوم السبت 6-3-1431هـ؛ وكانت الفكرة آنذاك تنطلق من سؤال بسيط: لماذا لا تكون الحوافز جزءًا أصيلًا من الإدارة، بدل أن تظل مرتبطة بالمناسبات أو باجتهادات بعض المسؤولين؟
اليوم، وبعد التحولات الكبيرة التي شهدتها المملكة، تبدو الإجابة أكثر إلحاحًا، فلم تعد الحوافز قضية تتعلق برضا الموظف فحسب؛ بل أصبحت جزءًا من منظومة أكبر تتصل بالإنتاجية، وجودة الأداء، والابتكار، واستدامة الكفاءات، وبناء بيئة عمل قادرة على تحقيق مستهدفات رؤية المملكة (2030).
لقد تغيرت بيئة العمل السعودية كثيرًا خلال السنوات الماضية، وتغير معها مفهوم الموظف نفسه، فالموظف اليوم أكثر وعيًا بقيمة ما يقدمه، وأكثر اهتمامًا بفرص التطور والنمو، وأكثر قدرة على مقارنة بيئة عمله بغيرها.
ولذلك لم يعد الراتب وحده كافيًا لاستقطاب الكفاءات أو المحافظة عليها، كما لم تعد الترقية وحدها هي الحافز الأكبر.
الموظف يريد أن يشعر بأن جهده يُرى، وأن إنجازه يُقدّر، وأن لديه فرصة حقيقية للنمو والتقدم، وهنا تبدأ أهمية الحوافز.
الحوافز ليست مالًا فقط
من الخطأ اختزال الحوافز في المكافآت المالية والعلاوات والبدلات، فالحافز مفهوم أوسع بكثير، وقد يكون أثر بعض الحوافز المعنوية والوظيفية أكبر من أثر الحافز المالي نفسه.
هناك الحوافز الوظيفية، مثل الترقية، والتمكين، وتولي المسؤوليات والمواقع القيادية، وإتاحة الفرص أمام الموظف المتميز للمشاركة في المشاريع والمبادرات النوعية.
وهناك الحوافز المادية، التي يمكن أن تشمل المكافآت والأمور المرتبطة بالأداء والإنجاز، وفق الأنظمة والضوابط المعتمدة.
وهناك الحوافز المعنوية، مثل التقدير، وخطابات الشكر، والتكريم، وإبراز الإنجازات، وإشراك الموظف في صناعة القرار، ومنحه الثقة والمساحة التي تمكنه من الإبداع.
وهناك الحوافز التطويرية، وهي في رأيي من أهم الحوافز في عصر الاقتصاد المعرفي، وتشمل التدريب النوعي، والتعلم المستمر، والشهادات المهنية، والبرامج القيادية، وإتاحة فرص إكمال الدراسة، والمشاركة في المؤتمرات وورش العمل، ونقل المعرفة والتجارب.
لكن هناك نوعًا آخر من الحوافز ربما لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم تأثيره العميق، وهو الحافز القيادي.
القائد.. حافز يمشي على قدمين
قد يحصل الموظف على مكافأة مالية وينساها بعد فترة، وقد يحصل على خطاب شكر فيحتفظ به، لكن بعض القادة يتركون أثرًا في الموظف يستمر سنوات طويلة.
القائد الذي يتعامل مع موظفيه بعدالة، ويحسن الاستماع إليهم، ويقدر ظروفهم، ويمنحهم الثقة، ويحتفي بإنجازاتهم، ويخطئ معهم قبل أن يحاسبهم، ويحاسبهم عندما تستدعي المسؤولية ذلك؛ هذا القائد في حد ذاته حافز.والقيادة الناجحة لا تعني أن يكون المسؤول لينًا في كل شيء، كما أنها لا تعني التساهل مع الأخطاء، فالعدالة ليست تساهلًا، والحزم ليس قسوة.
القائد الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع بين الحزم والإنسانية، وبين المساءلة والتحفيز، وبين تحقيق النتائج والمحافظة على الإنسان الذي يصنع تلك النتائج.
وهذا أمر بالغ الأهمية في المؤسسات التي تسعى إلى التحول والتطوير؛ لأن التحول الحقيقي لا تصنعه الأنظمة والتقنيات وحدها، وإنما يصنعه الإنسان الذي يستخدمها ويطورها ويبتكر من خلالها.
من ثقافة الحضور إلى ثقافة الأثر
من أبرز التحولات التي فرضتها رؤية المملكة (2030) الانتقال تدريجيًا من مفهوم تقليدي للعمل يقوم على الحضور والانصراف وتنفيذ التعليمات، إلى مفهوم أكثر تطورًا يقوم على الأداء والأثر والنتائج.
وهنا تصبح الحوافز جزءًا من هذه المعادلة.
فإذا أردنا موظفًا مبادرًا، فعلينا أن نكافئ المبادرة.
وإذا أردنا الابتكار، فعلينا أن نحتفي بالمبتكر.
وإذا أردنا رفع جودة الخدمات، فعلينا أن نربط التقدير بالتميز في تقديمها.
وإذا أردنا المحافظة على الكفاءات، فعلينا أن نوفر لها مسارًا واضحًا للنمو والتطور.
أما أن نطلب من الموظف أن يبدع، ثم لا يرى في المقابل إلا اللوائح والتعاميم والتعليمات والجزاءات، فهذه معادلة يصعب أن تنتج بيئة عمل مبتكرة ومستدامة.
إن الموظف لا ينبغي أن يشعر بأن النظام موجود لمعاقبته فقط، بل يجب أن يشعر أيضًا بأن المؤسسة لديها منظومة عادلة تعترف بإنجازه وتكافئ تميزه.
العدالة.. الشرط الأول للحوافز
ومع ذلك، فإن الحديث عن الحوافز لا ينبغي أن يقودنا إلى توزيع المكافآت بصورة عشوائية أو إلى تكريم الأشخاص أنفسهم في كل مناسبة.
فالحوافز عندما تفتقد العدالة قد تتحول من وسيلة لرفع الأداء إلى مصدر للإحباط.ولهذا فإن الحوافز الفاعلة تحتاج إلى معايير واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وشفافية في الاختيار، وعدالة في التطبيق.
الموظف الذي يعرف لماذا حصل زميله على الحافز، ويعرف ماذا عليه أن يفعل ليحصل عليه، سيكون أكثر استعدادًا للمنافسة وتطوير أدائه.
أما عندما تصبح الحوافز مرتبطة بالعلاقات الشخصية أو القرب من المسؤول أو الاجتهادات الفردية، فإنها تفقد قيمتها؛ بل قد تصبح عاملًا لهدم الثقة داخل المؤسسة.
ومن هنا فإن العدالة ليست تفصيلًا في منظومة الحوافز؛ إنها أساسها.
أداة للنزاهة
في مقالي القديم، تناولت العلاقة بين بيئة العمل والحوافز والنزاهة ومكافحة الفساد.
وما زلت أرى أن هذه العلاقة تستحق المزيد من الاهتمام.
لا يمكن القول إن تحسين الحوافز وحده كافٍ لمنع الفساد، فمكافحة الفساد منظومة متكاملة تقوم على التشريع والرقابة والحوكمة والمساءلة والشفافية، إضافة إلى تعزيز القيم المهنية.لكن بيئة العمل العادلة والواضحة والمحفزة يمكن أن تكون عنصرًا مهمًا في تعزيز السلوك المهني.فعندما يشعر الموظف بأن الإنجاز يُقدّر، وأن الترقية مرتبطة بالكفاءة، وأن المسؤولية تقابلها مساءلة عادلة، وأن أبواب التطور مفتوحة أمام المجتهد؛ فإن المؤسسة تبني ثقافة مختلفة، ثقافة تجعل النزاهة والأداء والتميز جزءًا من السلوك اليومي.
أما البيئة التي يشعر فيها الموظف بأن جهده لا يُرى، وأن التميز لا يغير شيئًا، وأن الفرص لا تخضع لمعايير واضحة، فهي بيئة معرضة لفقدان الدافعية وانتشار الإحباط والصراعات الداخلية.
الأعمال الإضافية
ومن الأخطاء الإدارية التي ما زالت تحتاج إلى مراجعة أن ينظر بعض المسؤولين إلى تكليف الموظف بأعمال إضافية أو العمل خارج أوقات الدوام باعتباره (حافزًا) في حد ذاته.
التكليف ليس حافزًا، والانتداب ليس مكافأة، والعمل الإضافي ليس تقديرًا للموظف.
الحافز هو ما يجعل الموظف يشعر بأن ما يقدمه من جهد أو إنجاز مقدّر ومعترف به ومقابل بما يستحقه وفق الأنظمة والسياسات المعتمدة.
وهنا تظهر أهمية الإدارة الحديثة التي لا تقيس الموظف بعدد الساعات التي يقضيها في مقر العمل فقط، وإنما تنظر إلى ما أنجزه، وما أضافه، وما طوره، وما أحدثه من أثر.
الاستثمار في الإنسان
إن أحد أهم دروس التحول الذي تشهده المملكة أن الاستثمار في الإنسان ليس شعارًا؛ بل ممارسة إدارية يومية.فالمنشأة التي تستثمر في موظفيها من خلال التدريب والتطوير والتمكين والتحفيز، لا تنفق عليهم فقط؛ بل تبني أصولًا بشرية قادرة على صناعة القيمة.وهذا ما يجعل الحوافز مرتبطة بصورة مباشرة بمفهوم رأس المال البشري.
فالموظف الذي يتعلم باستمرار، ويجد فرصة لتطبيق ما تعلمه، ويشارك في اتخاذ القرار، ويشعر بالتقدير، ويعرف مساره المهني، سيكون أكثر قدرة على الإبداع وأكثر ارتباطًا بمؤسسته.
ومن هنا فإن السؤال الإداري لم يعد: (كم سندفع للموظف؟) وإنما أصبح: (كيف نبني بيئة تجعل الموظف قادرًا وراغبًا في تقديم أفضل ما لديه؟).
اختراع العجلة
ليس مطلوبًا من كل مؤسسة أن تبدأ من الصفر. فالتجارب الناجحة موجودة، محليًا وعالميًا، وفي القطاع الحكومي والخاص وغير الربحي.
المهم أن ندرس هذه التجارب، ونفهم أسباب نجاحها، ثم نكيفها بما يتناسب مع طبيعة مؤسساتنا وأنظمتنا واحتياجات موظفينا.كما أن التحول الرقمي والبيانات أصبحا يتيحان فرصًا جديدة لبناء منظومات أكثر دقة في قياس الأداء واكتشاف المواهب وربط التطوير بالاحتياج الفعلي.
وبذلك تنتقل الحوافز من كونها قرارات فردية إلى منظومة مؤسسية مبنية على البيانات والأداء والأثر.
أسئلة
بعد سبعة عشر عامًا من كتابة المقال الأول، ربما تغيرت المصطلحات والأدوات، وتطورت بيئة العمل، وتغيرت تطلعات الموظف، لكن السؤال الجوهري ما زال قائمًا:
(هل ما زلنا ندير الموظف باللوائح والتعليمات فقط، أم بدأنا نديره بالثقة والتمكين والتحفيز؟).
وهل منظومة الحوافز لدينا تكافئ فعلًا من يصنع الفرق؟
وهل الموظف المتميز يعرف بوضوح كيف يمكن أن يتقدم؟
وهل يشعر الموظف أن المؤسسة ترى جهده، وتسمع صوته، وتستثمر في مستقبله؟
البيئة المثالية
إن رؤية المملكة (2030) لا تحتاج إلى موظف يؤدي الحد الأدنى من واجبه، وإنما إلى إنسان قادر على المبادرة والابتكار وتحمل المسؤولية وصناعة الأثر.
ولذلك فإن الحوافز لم تعد مجرد (مكافأة) تمنح للموظف بعد إنجازه، بل أصبحت أداة لصناعة الإنجاز نفسه.
وعندما تنجح مؤسساتنا في بناء بيئات عمل تكافئ التميز، وتحمي العدالة، وتدعم التطوير، وتمنح القائد أدوات التحفيز، فإننا لا نرفع معنويات الموظفين فحسب؛ بل نرفع جودة المؤسسات، ونزيد إنتاجيتها، ونحافظ على كفاءاتها، ونخلق بيئة أكثر قدرة على الابتكار.
وهنا تحديدًا تنتقل الحوافز من كونها استحقاقًا للموظف إلى كونها استثمارًا في مستقبل المؤسسة والوطن.
وهذا، في تقديري، هو المعنى الأعمق للحوافز في زمن رؤية المملكة (2030).