سلطان بن نايف الحربي
في مقالها المعنون بـ»الترقيات الاستثنائية بين الإنجاز والفرصة» المنشور في جريدتكم الغراء يوم الاثنين 18 ربيع الأول 1448هـ، في عددها (19355) تضع الكاتبة فاطمة آل مبارك يدها على سؤال مهني مهم وهو: كيف يعرف الموظف أن الفرصة المهنية القادمة يمكن أن تصل إليه؟ وكيف تستطيع المؤسسة أن ترى الإنجاز أينما كان صاحبه، لا حيث تتركز الأضواء الإدارية فقط؟
الحق أن السؤال في مكانه لكنه يستحق أن نأخذه خطوةً إلى الخلف؛ لأن العدالة لا تبدأ دائماً عندما تجتمع اللجنة وتفتح الملفات. فقد تكون اللجنة نزيهةً، والمعايير معلنةً، والنقاط محسوبة بدقة، والنظام الإلكتروني لا يعرف أحداً ولا يجامل أحداً، ومع ذلك يبقى سؤال لم تدخله الحاسبة بعد: من الذي وصل أصلاً إلى هذه المرحلة؟
فهناك فرق بين عدالة المفاضلة وعدالة الطريق إلى المفاضلة. يمكن أن نقيم ميزاناً بالغ الدقة لكن ماذا لو كانت الأوزان قد وزعت قبل أن نضعها عليه؟!
فالوظيفة المهنية ليست يوماً واحداً يسمى يوم الترقية. قبل ذلك اليوم كانت هناك سنوات من التكليفات، والمشروعات، والدورات، واللجان، والمواقع النوعيّة، والفرص التي تجعل الموظف أكثر قدرة على بناء سجل مهني قوي. ولهذا؛ فإن السؤال عن الترقية الاستثنائية يقود بالضرورة إلى سؤال أوسع وهو: كيف توزع المؤسسة فرص صناعة الإنجاز نفسه؟
ولنأخذ مثالاً موازياً من بيئة تعليميّة بعد تجريده من الأسماء والجهات والأماكن. هناك مدرسة متخصصة تجمع الطلاب الموهوبين من الصف الرابع الابتدائي حتى الصف الثالث المتوسط، وهي بحكم رسالتها ليست مدرسةً اعتياديةً؛ بل إنها بيئة يفترض أن تكون فيها المعرفة المتخصصة في الموهبة والإبداع ذات قيمة واضحة، وأن تكون مجالاً طبيعياً لتطبيقها.
وفي الإدارة التعليمية نفسها توجد ثلاث قيادات مدرسية تحمل دراسات عليا متخصصة في الموهبة والإبداع؛ اثنان يعملان مديران لمدارس، والثالث يعمل وكيلاً لكن لا أحد منهم يعمل في هذه المدرسة المتخصصة!
لا تعمي هذه المعلومة أن الدكتوراه تمنح صاحبها امتياز مفتاح مكتب المدير، ولا أن الدرجة العلمية الأعلى تجعل صاحبها أصلح تلقائياً للقيادة. فالإدارة المدرسية أوسع من الشهادة، والقيادة لا تختصر في ورقة معلقة على الجدار. لكن هل ينتهي السؤال هنا؟
القضية ليست أن فلاناً كان يجب أن يعين؛ فهذه قفزة قد لا يملك المقال دليلاً عليها. القضية أكثر بساطة وأكثر إزعاجاً: هل كان من يملك خبرة ذات صلة قادراً أصلاً على أن يصبح خياراً؟ المشكلة ليست دائماً فيمن اختير. أحيانا تكون فيمن سمح له أن يدخل دائرة الاختيار في مطبخ القرار!
بل ويزداد السؤال أهميةً عندما لا يكون الموقع مجرد كرسي وظيفي؛ وإنما باب إلى فرص أوسع. فهذه المدرسة بحكم طبيعتها تحظى بدعم سخيّ وترتبط بها حوافز مالية وموارد وبرامج نوعية. ومن يصل إلى بيئة كهذه لا يحصل على وظيفة فقط؛ بل يحصل أيضاً على مساحة أوسع لصناعة المبادرات، وإظهار الأثر، وتراكم الخبرة المهنية.
ثم تأتي المؤسسة بعد سنوات وتقارن ملف هذا الموظف بملف موظف آخر لم تتح له البيئة نفسها. فماذا نقيس عندها؟! هل نقيس الكفاءة وحدها؟ أم نقيس الكفاءة مضافاً إليها ما منحناه لبعض الموظفين من فرص لصناعة هذه الكفاءة المرئية؟ وإذا حصل موظف على الموقع والمشروع والدعم والحوافز، بينما ظل آخر في موقع روتيني محدود الموارد، فهل بدأ السباق فعلاً من خط واحد؟
إن ذلك ليس دعوةً إلى مساواة قسريةّ، ولا إلى توزيع المناصب والحوافز على الجميع بالتساوي. فالتميز أصلاً يقوم على الاختلاف، والمواقع النوعيّة لا يمكن أن يشغلها الجميع؛ لكن كلما كانت الفرصة أندر كانت الحاجة إلى تفسير طريقة الوصول إليها أكبر. وكل فرصة عالية القيمة تحتاج إلى معيار عالٍ في الوضوح.
وارتكازاً على مقال الكاتبة فنقول: أنها أصابت حين دعت إلى ملف إنجاز مهنيّ رقميّ يحفظ المبادرات والنتائج والأثر؛ لكن الملف الرقمي مهما بلغ من الدقة فإنه لا يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال سابق: من حصل أصلاً على الفرص التي ملأت هذا الملف؟!
وعليه، فإنه يمكن للمؤسسة أن توثق الإنجاز الجيد؛ لكنها تحتاج أيضاً إلى أن توثق توزيع الفرصة: من أسند إليه المشروع النوعي؟ من حصل على التدريب؟ من دخل اللجنة؟ من عمل في البيئة الغنية بالدعم؟ ومن أتيحت له فرصة قيادة المبادرة؟ ليس لأن كل تفاوت هو بالضرورة يعد ظلما؛ بل لأن كل تفاوت يحتاج إلى سبب يمكن الدفاع عنه.
وإذا كانت المؤسسة قد استثمرت في موظف حتى حصل على معرفة متخصصة، ثم لم تسأل أين يمكن أن تستخدم هذه المعرفة، فلمن كان ذلك الاستثمار؟ وإذا كانت تقول للموظف: اصنع أثراً، فهل تكفي النصيحة عندما تكون بعض المواقع نفسها أكثر قدرة على صناعة الأثر من غيرها؟
ولهذا لا ينبغي أن تقتصر حوكمة الفرص المهنية على الترقية بعد اكتمال ملفات المرشحين. الإعلان الداخلي للفرص النوعية، وإتاحة إبداء الرغبة، وتحديد معايير شغل المواقع، وإنشاء سجل للخبرات والتخصصات، ومطابقة المشروعات بالقدرات الموجودة داخل الجهاز، كلها تجعل المؤسسة أقل اعتماداً على الذاكرة الفردية والانطباع الشخصي.
فالترشيح لا ينبغي أن يكون طريقاً لا يعرفه إلا من يقف قريباً من بابه! ومن حق الموظف أن يعرف متى تفتح الفرصة، وما شروطها، وما الذي يمنحه وزناً في المنافسة، وهل يستطيع أن يتقدم، ولماذا تم تفضيله على غير؟
وهنا يظهر الفارق بين المؤسسة التي توزع الامتيازات والمؤسسة التي تدير الفرص، فالأولى تقول: هذا ما قررناه. والثانية تستطيع أن تقول: هذه المعايير، وهذه هي الطريق، وهذه هي أسباب القرار.
مقال الكاتبة يسأل بحق: كيف نجعل الامتياز مرئياً؟ لكن ربما – من وجهة نظري- يفترض أن يسبق ذلك سؤال أشد إلحاحاً: كيف نجعل الفرصة نفسها مرئية ومتاحة قبل أن نطالب الموظفين بالتنافس على ما أنتجته؟ فالعدالة لا تبدأ حين تفتح لجنة المفاضلة الملفات. بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما تسأل المؤسسة نفسها، قبل أن تسأل موظفيها من أنجز أكثر: لمن أعطينا الفرصة كي ينجز أكثر؟
** **
- الجبيل الصناعية