د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
حين رحل رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغجي في 12 أغسطس 2026م عن عمر ناهز 97 عامًا، وفق الحساب الميلادي المتداول، لم تُطوَ صفحة رجل سياسي عابر، بل أُغلقت إحدى الصفحات الأكثر إثارة في تاريخ التحول الاقتصادي الصيني الحديث؛ فقد كان تشو نائبًا لرئيس مجلس الدولة بين عام 1991م وعام 1998م، ثم رئيسًا لمجلس الدولة بين عام 1998م وعام 2003م، وبرز بوصفه أحد أبرز مهندسي الإصلاح الاقتصادي في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الصين، حين كانت البلاد تحاول الانتقال من اقتصاد مثقل بالاختلالات إلى اقتصاد أكثر كفاءة وانفتاحًا واندماجًا في النظام العالمي. وقد ارتبط اسمه بكبح التضخم، وإصلاح النظام المالي والضريبي، وإعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة، وتعزيز الانضباط الاقتصادي، والدفع نحو انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.
وتبقى العبارة الشهيرة المنسوبة إلى تشو رونغجي، والتي تقول إنه أَعَدَّ مائة نعش؛ تسعة وتسعين للفاسدين وواحدًا لنفسه، واحدة من أكثر العبارات اختزالًا لفلسفته السياسية في مواجهة الفساد والإصلاح. غير أن القراءة الأكاديمية الرصينة تقتضي التعامل معها بوصفها عبارة شهيرة منسوبة إليه لا حقيقة نصية ينبغي التعامل معها دون تحفظ في غياب توثيق أولي حاسم لصيغتها المتداولة. ومع ذلك، فإن القيمة الفكرية للعبارة لا تتوقف على صحة كل كلمة فيها؛ إذ إنها تختزل سؤالًا أكبر: هل يستطيع رجل الدولة أن يواجه الفساد حين يصبح شبكة مصالح، وأن يدفع شخصيًا وسياسيًا ثمن الإصلاح إذا كان الإصلاح يهدد المستفيدين من بقاء الوضع القائم؟ هنا تتحول العبارة من تهديد بالعقوبة إلى فلسفة في المسؤولية العامة، ومن (النعش) بوصفه نهاية للحياة إلى رمز للاستعداد لتحمل كلفة القرار.
وليس من الإنصاف العلمي اختزال النهضة الصينية الهائلة في شخص تشو رونغجي؛ فالصين الحديثة لم تُبْنَ على يد رجل واحد، وإنما تشكل صعودها من تراكم تاريخي طويل بدأ بصورة حاسمة مع إصلاحات دنغ شياو بينغ منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، وتعمق في عهد جيانغ زيمين، وكان تشو أحد أبرز مهندسي المرحلة التنفيذية والاقتصادية الأكثر حساسية في هذا المسار. ولذلك فإن وصفه بأنه أحد أهم مهندسي التحول الاقتصادي الصيني أكثر دقة من وصفه بأنه (باني الصين الحديثة) منفردًا. إن العبقرية التاريخية هنا لم تكن في رجل واحد، بل في قدرة دولة ضخمة على تحويل سلسلة من الإصلاحات المتراكمة إلى مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع وموقع الصين في النظام الدولي.
تكمن أهمية تشو في أنه لم يتعامل مع الاقتصاد بوصفه مجموعة مؤشرات منفصلة، بل باعتباره منظومة متكاملة تتداخل فيها الدولة والمال والسوق والإدارة والإنتاج والتجارة والاستثمار والانضباط المؤسسي. فقد أدرك أن التضخم لا يعالج بالشعارات، وأن الشركات الخاسرة لا تصبح منتجة بمجرد تغيير إداراتها، وأن الدولة لا تستطيع تنفيذ سياساتها إذا كانت عاجزة ماليًا، وأن الانفتاح التجاري لا ينجح إذا ظل الاقتصاد الداخلي ضعيف القدرة التنافسية. ومن هنا اتخذ الإصلاح عنده طابعًا بنيويًا: إعادة تشكيل قواعد اللعبة بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها. وهذه واحدة من أهم قواعد الإصلاح في الاقتصاد السياسي الحديث؛ فالدولة التي تصلح الأشخاص دون إصلاح النظام الذي ينتج الخلل قد تغير الوجوه، لكنها لا تغير النتائج.
عندما برز تشو في القيادة الاقتصادية الصينية كانت البلاد تواجه تضخمًا مرتفعًا واختلالات مالية ومصرفية ومشكلات في أداء المؤسسات الحكومية، فضلًا عن تحديات المرحلة الانتقالية التي أعقبت اضطرابات نهاية الثمانينيات وتداعياتها السياسية والاقتصادية. وقد شارك في إدارة مرحلة اتسمت بإعادة فرض الانضباط على الاقتصاد، وتعزيز قدرة الحكومة المركزية على التحكم في المالية العامة، وإصلاح البنوك والمؤسسات الحكومية. وكان إصلاحه الاقتصادي شديد الصرامة؛ ولذلك لم يكن بلا ثمن، إذ أدت إعادة هيكلة القطاع العام إلى فقدان ملايين العمال وظائفهم، وخلقت ضغوطًا اجتماعية حقيقية. وهذا الجانب مهم للغاية؛ لأن القراءة العلمية لا تكتفي بالاحتفاء بمعدلات النمو، بل تسأل أيضًا عن تكلفة النمو ومن دفع ثمنه وكيف أديرت آثاره الاجتماعية.وكان الإصلاح المالي من أكثر مشروعات تشو عمقًا وتأثيرًا؛ فقد سعى إلى تعزيز قدرة الحكومة المركزية على تحصيل الإيرادات وإعادة تنظيم العلاقة المالية بين المركز والمستويات المحلية. وهذا الإصلاح، الذي ارتبط خصوصًا بإصلاح عام 1994م، لم يكن إجراءً محاسبيًا عابرًا، بل إعادة توزيع لقدرة الدولة على التحكم في الموارد. ومن منظور علم السياسة، فإن القدرة المالية هي أحد أعمدة قدرة الدولة؛ فالدولة التي لا تملك موارد مستقرة لا تستطيع تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن والبحث العلمي، ولا تستطيع تنفيذ خططها الاستراتيجية بصورة مستدامة. وفي الوقت نفسه، أظهرت التجربة أن الإصلاحات المؤسسية قد تنتج اختلالات جديدة إذا لم تُستكمل بإصلاحات لاحقة في النظام المالي المحلي، وهي إحدى القضايا التي ظلت آثارها تظهر في الاقتصاد الصيني بعد ذلك.أما إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة، فقد مثلت اختبارًا حقيقيًا لشجاعة الإصلاح. كانت قطاعات واسعة من الاقتصاد الحكومي تعاني من انخفاض الكفاءة وارتفاع الديون والتوظيف الزائد والخسائر، وكان استمرار الوضع القائم يهدد الاقتصاد كله. ولذلك اتجهت الدولة إلى إعادة الهيكلة وإغلاق بعض المؤسسات أو دمجها أو إصلاح إدارتها، وهو ما أحدث تحولًا عميقًا في بنية الاقتصاد. لكن هذه العملية كشفت أيضًا عن حقيقة لا ينبغي تجاهلها: الإصلاح الاقتصادي ليس عملية تقنية محايدة؛ إنه إعادة توزيع للموارد والفرص والمصالح. ومن ثم فإن كل إصلاح كبير يخلق مقاومة من المستفيدين من النظام القديم، ويحتاج إى قدرة سياسية ومؤسسية على إدارة الصراع بين القديم والجديد.
وفي هذا السياق جاءت معركة الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية باعتبارها واحدة من أهم نقاط التحول في تاريخ الصين الاقتصادي. فقد انضمت الصين رسميًا إلى المنظمة في ديسمبر 2001م بعد مفاوضات طويلة ومعقدة، وكان تشو من أبرز الشخصيات التي دفعت باتجاه إتمام هذه العملية. ولم تكن العضوية مجرد بطاقة في مؤسسة تجارية دولية، وإنما التزامًا بإعادة هيكلة مجموعة واسعة من السياسات والقواعد الاقتصادية، وخفض الحواجز أمام التجارة، وتعميق المنافسة، وفتح قطاعات أمام الاستثمار، وإدخال الاقتصاد الصيني بصورة أكثر عمقًا في النظام التجاري العالمي. وقد مثل ذلك قرارًا استراتيجيًا هائلًا؛ لأن الصين لم تكن تدخل السوق العالمية من موقع دولة مكتملة القوة، وإنما كانت تستخدم الانفتاح نفسه كأداة لتسريع تحديث قدرتها الإنتاجية.
وكانت عبقرية هذا الانفتاح في أنه لم يكن انفتاحًا استهلاكيًا فقط، بل انفتاحًا إنتاجيًا وتنافسيًا؛ فقد دخلت الشركات الصينية في مواجهة مباشرة مع الشركات العالمية، واضطرت إلى رفع الكفاءة وخفض التكلفة وتحسين الجودة وتوسيع الاستثمار في التكنولوجيا. وبذلك تحولت العولمة، التي يمكن أن تكون خطرًا على الاقتصادات الضعيفة، إلى أداة ضغط إيجابية على الاقتصاد الصيني. وقد ساعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية على تسريع الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وتعزيز التجارة والاستثمار والتصنيع. لكن اختزال الصعود الصيني في عضوية المنظمة وحدها سيكون خطأً منهجيًا؛ فالنتيجة جاءت من تفاعل الإصلاحات السابقة مع العمالة الوفيرة، والاستثمار في البنية التحتية، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والمدخرات المرتفعة، والاستثمار الأجنبي، والسياسة الصناعية، واتساع السوق المحلية.ومن هنا بدأت الصين تنتقل تدريجيًا من كونها اقتصادًا منخفض التكلفة إلى أن تصبح أحد أهم المراكز الصناعية في العالم. والأهم أنها لم تتوقف عند مرحلة (مصنع العالم)، بل بدأت الصعود في سلم القيمة المضافة: من التجميع إلى التصنيع، ومن التصنيع إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى الابتكار. وهذه النقلة تكشف عن جوهر القوة الاقتصادية الحديثة؛ فالدولة التي تنتج سلعًا رخيصة قد تحقق نموًا سريعًا، لكن الدولة التي تنتج التكنولوجيا والمعرفة والمعايير وسلاسل الإمداد المتقدمة تستطيع تحويل النمو إلى قوة استراتيجية. ولهذا فإن تجربة الصين ليست قصة صادرات فقط، وإنما قصة انتقال تدريجي من القدرة على الإنتاج إلى القدرة على تشكيل بعض قواعد الإنتاج العالمي. وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية في علم السياسة المقارن، هو قدرة الدولة؛ أي قدرة المؤسسات العامة على تعبئة الموارد، وتنفيذ السياسات، وفرض القواعد، وتنسيق المصالح، وتحويل القرارات السياسية إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس. فالقوة الوطنية لا تبدأ من حجم الاقتصاد وحده، وإنما من قدرة الدولة على تحويل الموارد المتاحة إلى سياسات فعَّالة، وتحويل السياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى إنتاج، والإنتاج إلى معرفة وتكنولوجيا وقوة استراتيجية.
وهنا تظهر العلاقة العميقة بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية؛ فحين تصبح دولة ما مركزًا رئيسيًا للصناعة والتجارة وسلاسل الإمداد، فإن وزنها السياسي يتغير. الموانئ تتحول إلى أدوات قوة، والطرق والسكك الحديدية إلى شرايين اقتصادية، والتكنولوجيا إلى عنصر من عناصر الأمن القومي، والشركات الكبرى إلى أدوات نفوذ اقتصادي، والقدرة الصناعية إلى مُكَوَّن من مكونات الردع الاستراتيجي. ولهذا فإن الصعود الصيني لا يمكن فهمه من خلال الناتج المحلي الإجمالي وحده؛ بل يجب قراءته ضمن مفهوم القوة الوطنية الشاملة التي تجمع الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والموارد البشرية والقدرة المالية والدبلوماسية والإستراتيجية.
** **
- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ