د.عبدالله الفايز
لدي قناعة، أو ربما تساؤل علمي، ظل يراودني منذ فترة طويلة حول الطريقة التي نعلم وندرّب بها الأطباء والصيادلة في العالم، وحول مدى كفاية النموذج الطبي التقليدي عندما يتعلق الأمر بالإنسان الفرد، لا بالمريض بوصفه جزءًا من مجموعة إحصائية. وقد ازداد هذا التساؤل لدي بحكم وجود عدد من الأطباء في محيطي من الأبناء والإخوة والأقارب والأصدقاء، وقد ناقشت معهم هذه الفكرة، فوجدت من يؤيدها ومن يقف منها موقفًا محايدًا، ولم أجد اعتراضًا جوهريًا على أصل التساؤل نفسه. ما يثير اهتمامي هو أن الطب الحديث، على الرغم من التطور الهائل الذي حققه، يعتمد في جزء كبير من أساسه العلمي على دراسة مجموعات من المرضى أو الحيوانات، ثم استخلاص متوسطات ونتائج إحصائية منها، وبعد ذلك تحويل هذه النتائج إلى إرشادات علاجية يمكن تطبيقها على أفراد آخرين. وهذا المنهج ضروري من الناحية العلمية؛ إذ لا يمكن للطبيب أن يبدأ من الصفر مع كل مريض، كما أن التجارب السريرية والدراسات السكانية هي الأساس الذي أثبتت من خلاله معظم الأدوية والعلاجات الحديثة سلامتها وفعاليتها. ولذلك لا أرى المشكلة في وجود هذا النموذج، وإنما في السؤال التالي: هل ينبغي أن يكون المتوسط السكاني هو نقطة النهاية، أم ينبغي أن يكون نقطة البداية فقط ثم ينتقل الطبيب إلى مستوى أكثر شخصية ودقة عندما يتعامل مع المريض الفرد؟ آن الأوان نحو الانتقال من طب «المريض المتوسط» إلى طب الفرد، خاصة بعد تطور التقنيات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.
هذا السؤال أصبح اليوم جزءًا من اتجاه علمي معروف باسم الطب الدقيق أو الطب الشخصي Precision Medicine. وتعرّف إدارة الغذاء والدواء الأمريكية هذا الاتجاه باعتباره محاولة لتكييف الوقاية والعلاج مع الاختلافات بين الأشخاص، بما في ذلك الاختلافات الجينية والبيئية ونمط الحياة، بهدف الوصول إلى العلاج والجرعة المناسبة للمريض المناسب وفي الوقت المناسب. كما تشير FDA إلى أن كثيرًا من العلاجات التقليدية صممت في الأساس حول مفهوم «المريض المتوسط»، وهو ما قد ينجح مع بعض المرضى بدرجة أكبر من غيرهم ولكن قد يسبب مضاعفات وأوراما سرطانية. (U.S. Food and Drug Administration). وهنا أعتقد أن المشكلة تصبح أكثر وضوحًا عندما ننتقل من تشخيص المرض إلى تشخيص المريض. فالمرض قد يكون واحدًا بالاسم، ولكن الإنسان الذي يحمل المرض ليس واحدًا. فقد يكون هناك شخصان مصابان بالتشخيص نفسه، وفي العمر نفسه تقريبًا، ولكن يختلفان في الوزن، وتركيب الجسم، ووظائف الكبد والكلى، والإنزيمات المسؤولة عن استقلاب الأدوية، والهرمونات، والمناعة، والأمراض المصاحبة، والأدوية الأخرى التي يتناولانها، والعوامل الوراثية، والتغذية، ونمط الحياة، بل قد تختلف استجابتهما النفسية والسلوكية للعلاج. ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل يكفي أن نقول إن المريضين يعانيان من المرض نفسه لكي نعطيهما العلاج نفسه والجرعة نفسها؟
الإجابة العلمية الحديثة هي أن ذلك لا يكون صحيحًا دائمًا، فالدواء الذي يدخل جسم الإنسان لا يعمل في فراغ، وإنما يمر بسلسلة معقدة من العمليات تعرف بالحركية الدوائية، وتشمل الامتصاص والتوزيع والاستقلاب والإطراح، ثم تتداخل معها الديناميكا الدوائية التي تحدد كيفية تأثير الدواء في الجسم. وهذه العمليات تختلف بين الأفراد. وقد بينت الأدبيات العلمية منذ سنوات أن الاختلاف في الاستجابة الدوائية يمكن أن يكون ناتجًا عن اختلافات في تركيز الدواء الذي يصل إلى موقع تأثيره، أو اختلافات في كيفية استجابة الجسم لهذا التركيز، وأن العوامل الوراثية يمكن أن تكون أحد مصادر هذا الاختلاف. (Nature) ولذلك فإن ملاحظتي على نموذج الجرعات التقليدي لا ينبغي أن تفهم على أنها رفض للجرعات الموجودة في نشرات الأدوية. فالنشرة الدوائية ليست قائمة عشوائية، وإنما هي نتيجة دراسات وتجارب وتقييمات تنظيمية دقيقة. ولكنها في كثير من الحالات تقدم جرعة معيارية أو نطاقًا للجرعات يستند إلى خصائص سكانية وفئات عمرية ووزنية وحالات مرضية محددة. والسؤال الذي أراه جديرًا بالبحث هو: هل تستطيع التكنولوجيا الطبية الحديثة أن تنقلنا من الجرعة المناسبة لمجموعة من المرضى إلى الجرعة المثلى للمريض الفرد؟
وتصبح هذه المسألة أكثر وضوحًا عند الأطفال. فالجسم في مرحلة النمو ليس مجرد نسخة أصغر من جسم الإنسان البالغ. تتغير خلال مراحل الطفولة نسب الماء والدهون والأنسجة، وتنضج وظائف الكبد والكلى تدريجيًا، وتتغير الإنزيمات والمسارات الأيضية، ولذلك يمكن أن تختلف الحركية الدوائية اختلافًا كبيرًا مع العمر والنمو. وقد أظهرت المراجعات المتخصصة أن عمليات الامتصاص والتوزيع والاستقلاب والإطراح تتغير أثناء النمو، وأن العمر بالإضافة إلى حجم الجسم يمثلان عاملين مهمين في تحديد الخصائص الحركية الدوائية لدى الأطفال. (PubMed Central (PMC))
ولهذا فإن المثال الذي يلفت انتباهي في بعض الأدوية هو عندما نجد تعليمات مبسطة من نوع «جرعة معينة لمن هم دون عمر معين» و»جرعة أكبر لمن هم فوق ذلك». صحيح أن هذه التعليمات قد تكون مناسبة وآمنة ضمن الشروط التي اعتمدت عليها، ولكنها تثير سؤالًا مشروعًا: هل العمر وحده يعبر بصورة كافية عن الحالة البيولوجية للطفل؟ فطفلان يبلغان العمر نفسه قد يختلفان في الوزن وتركيب الجسم ونضج الأعضاء ووظائف الكبد والكلى والأمراض المصاحبة والأدوية الأخرى التي يستخدمانها. ولهذا فإن الأدبيات المتخصصة في جرعات الأطفال تؤكد أن الجرعة لا يمكن دائمًا استنتاجها بصورة مباشرة من جرعة البالغين، وأن الاعتماد على الوزن وحده قد لا يكون كافيًا عبر جميع مراحل النمو. (PubMed) وهنا تظهر أهمية مفهوم الجرعة الشخصية Personalized Dosing. فالمقصود ليس بالضرورة أن يكون لكل إنسان مصنع دواء خاص به أو أن تكون هناك جرعة مختلفة جذريًا لكل فرد، وإنما المقصود أن تستخدم المنظومة الطبية أكبر قدر ممكن من المعلومات الخاصة بالمريض لتحديد الجرعة الأكثر ملاءمة له. وقد تشمل هذه المعلومات العمر والوزن ومساحة سطح الجسم ووظائف الكلى والكبد، إضافة إلى التداخلات الدوائية، والحالة المرضية، والاستجابة السابقة، وفي بعض الحالات المعلومات الجينية، ومستويات الدواء في الدم عندما يكون ذلك مناسبًا. وتوجد بالفعل أساليب علمية لتخصيص الجرعات تعتمد على المراقبة العلاجية لمستويات الدواء، والمؤشرات الدوائية، والاختبارات الجينية، والنمذجة الحركية الدوائية، وحتى النماذج الحاسوبية التي تحاول محاكاة المريض الفرد. (PubMed Central (PMC)) بل إن المجال وصل إلى مرحلة أصبح فيها علم الصيدلة الجينية Pharmacogenomics جزءًا فعليًا من الممارسة الطبية في بعض الحالات. فإدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحتفظ بقائمة للارتباطات الدوائية الجينية التي يمكن أن يكون لها تأثير على العلاج، ومنها حالات يمكن فيها للمعلومات الجينية أن تساعد الطبيب في تحديد الإستراتيجية العلاجية أو الجرعة المناسبة أو احتمال حدوث السمية. كما تتضمن بعض النشرات الدوائية معلومات عن مؤشرات جينية مرتبطة بالاستجابة للدواء أو خطر الآثار الجانبية أو الجرعات الخاصة بأنماط جينية معينة. (U.S. Food and Drug Administration)
وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة جدًا: الفرد ليس مجرد رقم على ميزان أو عمر في بطاقة الهوية. فالوزن مهم، لكنه ليس كل شيء. والعمر مهم، لكنه ليس كل شيء. والجينات مهمة، لكنها ليست كل شيء. ووظائف الكبد والكلى مهمة، لكنها ليست كل شيء. والهدف الحقيقي للطب الشخصي هو دمج هذه المعلومات معًا للوصول إلى صورة أكثر اكتمالًا للمريض. وهذا هو السبب في أن الطب الدقيق يرتبط اليوم بالجينوميات والبيانات الحيوية والذكاء الاصطناعي والنمذجة الحاسوبية والسجلات الصحية الإلكترونية وغيرها من التقنيات التي تستطيع دمج أعداد ضخمة من المتغيرات التي يصعب على الإنسان وحده تحليلها. ومن هنا أرى أن مستقبل التشخيص قد ينتقل تدريجيًا من السؤال التقليدي: ما المرض الذي يعاني منه هذا المريض؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما المرض الذي يعاني منه، وكيف تختلف بيولوجيته عن المرضى الآخرين الذين يحملون التشخيص نفسه، وما العلاج والجرعة الأكثر ملاءمة له تحديدًا؟ وهذا تحول فلسفي وعلمي مهم؛ لأنه ينقل مركز النظام الطبي من «المرض» إلى «الإنسان المصاب بالمرض». ولا يعني ذلك أن الطب الشخصي سيجعل الطبيب غير ضروري. العكس هو الصحيح. فالطبيب سيصبح أكثر أهمية، ولكن طبيعة عمله ستتغير. فقد ينتقل جزء من دوره من الاعتماد على الخبرة الشخصية وحدها إلى تفسير كمية هائلة من البيانات الخاصة بالمريض، ثم دمجها مع المعرفة الطبية، والنتائج المخبرية، والصور الطبية، والتاريخ المرضي، والاختبارات الجينية، والبيانات المستمرة التي يمكن الحصول عليها من الأجهزة القابلة للارتداء. وفي هذه الحالة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة مساعدة للطبيب، وليس بديلًا عنه، بحيث يستطيع النظام اكتشاف أنماط لا يمكن للطبيب اكتشافها بسهولة من خلال عشرات أو مئات المتغيرات.
وأعتقد أن هذه الفكرة تصبح أكثر أهمية عندما ننتقل إلى «الطب البديل» والأدوية إلى الغذاء وإنقاص الوزن. فنحن نسمع كثيرًا عن وصفات طبية شعبية تعطى بدون التفريق بين قابلية المرضى. وكذلك لأنظمة غذائية محددة وعن قوائم أطعمة يقال إنها مناسبة لإنقاص الوزن أو تحسين الصحة. ولكن الإنسان يلاحظ في حياته اليومية شيئًا محيرًا: شخص قد يأكل كميات تبدو كبيرة ويبقى نحيفًا سنوات طويلة، بينما شخص آخر يأكل كميات أقل ويزداد وزنه بسرعة. ومن السهل أن نستنتج أن السبب هو «الامتصاص»، ولكن هذا الاستنتاج وحده سيكون مبسطًا أكثر من اللازم. فالاختلاف في الوزن لا يعتمد فقط على مقدار امتصاص الطعام، وإنما يتداخل فيه الإنفاق الطاقي، ومعدل الاستقلاب، والكتلة العضلية، والنشاط البدني، والشهية، والهرمونات، ونمط النوم، والجينات، وتكوين الميكروبيوم، وتوقيت تناول الطعام، والحالة الصحية، والسلوك الغذائي، وغير ذلك من العوامل.
ومع ذلك، فإن الملاحظة الأساسية التي تقف خلف هذه الفكرة صحيحة علميًا: الناس لا يستجيبون للطعام بالطريقة نفسها. وقد أصبحت هذه المسألة مجالًا بحثيًا قائمًا بذاته يسمى التغذية الدقيقة أو الشخصية Precision Nutrition. وتشير مبادرات المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة إلى أن الهدف من هذا المجال هو تطوير خوارزميات تستطيع التنبؤ باستجابة الأفراد للأطعمة والأنماط الغذائية المختلفة، مع دراسة التفاعل بين الجينات والميكروبيوم والبروتينات والتمثيل الغذائي والعوامل السلوكية والبيئية. (National Institutes of Health)
وتقدم دراسة PREDICT-1 مثالًا مثيرًا للاهتمام على هذا الاختلاف الفردي. فقد وجد الباحثون اختلافات كبيرة بين الأفراد في الاستجابات الأيضية بعد تناول الوجبات نفسها، بما في ذلك استجابات الدهون الثلاثية والجلوكوز والإنسولين. كما أظهرت الدراسة أن بعض العوامل الشخصية، ومنها الميكروبيوم، يمكن أن تسهم في تفسير جزء من الاختلاف بين الأشخاص. (PubMed) وهذا لا يعني أن الميكروبيوم هو «السبب» الوحيد للنحافة أو السمنة، ولكنه يؤكد أن استجابة الإنسان للطعام أكثر تعقيدًا من مجرد حساب السعرات بصورة موحدة للجميع. ومن هنا يمكن فهم لماذا قد تنجح حمية غذائية مع شخص ولا تحقق النتيجة نفسها مع شخص آخر. فالتغذية التقليدية تقدم توصيات سكانية واسعة، وهي مهمة وضرورية للصحة العامة، ولكنها لا تعني أن كل فرد سيستجيب لها بالدرجة نفسها. وتؤكد تقارير المعاهد الوطنية للصحة أن الاختلافات الفردية في الاستجابة الغذائية يمكن أن ترتبط بالعمر والجنس والجينات وتوقيت الوجبات والميكروبيوم والنشاط البدني والحالة الصحية وغيرها من العوامل. وفي الوقت نفسه، ما زال العلم بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل أن يصبح بالإمكان التنبؤ بدقة بما يناسب كل فرد على حدة. (NIDDK)
وهنا أرى أن هناك فرصة كبيرة للربط بين الطب الشخصي والتغذية الشخصية. فبدلًا من أن يحصل الشخص الذي يريد إنقاص وزنه على قائمة عامة من الأطعمة المسموح بها والممنوعة، يمكن في المستقبل أن يبدأ البرنامج بفهم خصائصه البيولوجية والأيضية، وتاريخه الصحي، ونمط حياته، ونومه ونشاطه، وربما بعض المؤشرات الجينية والميكروبية والاستقلابية، ثم بناء تدخل غذائي أكثر تخصيصًا، ومراقبة استجابته فعليًا، ثم تعديل الخطة وفق النتائج. أي أن العملية تصبح تشخيصًا، ثم تدخلًا، ثم قياسًا، ثم تعلمًا، ثم تعديلًا بدل أن تكون مجرد وصفة غذائية ثابتة. وهذه النقطة بالذات تجعلني أرى تشابهًا عميقًا بين مستقبل الطب الشخصي وبين التحول الذي تحدثنا عنه في مجالات أخرى من هذا الكتاب. فالمنظومة التقليدية تعتمد على نموذج ثابت نسبيًا: تشخيص، ثم وصف علاج، ثم متابعة. أما المنظومة المستقبلية فقد تصبح منظومة ديناميكية تتغذى باستمرار على بيانات المريض. فإذا استجاب المريض للعلاج بصورة جيدة يستمر المسار، وإذا ظهرت آثار جانبية أو لم تتحقق الاستجابة المطلوبة يعاد ضبط الجرعة أو العلاج أو التشخيص. ومع مرور الوقت تتكون لدى النظام معرفة شخصية بالمريض يمكن أن تجعل القرارات العلاجية أكثر دقة.
ومن هنا يمكن أن تظهر بنية جديدة يمكن تسميتها التشخيص الشخصي الديناميكي، بحيث لا يكون التشخيص حدثًا يحدث مرة واحدة عند زيارة الطبيب، وإنما عملية مستمرة تتغير مع تغير حالة الإنسان. فالمريض ليس نظامًا ثابتًا؛ وزنه يتغير، ووظائف أعضائه تتغير، وأمراضه تتغير، والأدوية التي يستخدمها تتغير، وعمره يتقدم، ونمط حياته يتغير، وحتى استجابته للدواء نفسه قد تتغير مع الزمن. وبالتالي فإن العلاج الذي كان مناسبًا قبل عام قد يحتاج إلى مراجعة اليوم. لكن ينبغي هنا أن نكون حذرين جدًا. فالطب الشخصي ليس دعوة إلى إعطاء المريض جرعة «حسب إحساس الطبيب»، ولا إلى استخدام اختبارات جينية أو أجهزة تجارية غير مثبتة علميًا، ولا يعني أن كل اختلاف فردي يحتاج إلى علاج مختلف. كما أن فكرة أن كل شخص يحتاج إلى «دواء مصمم له» ليست هي التعريف العلمي الدقيق للطب الشخصي. بعض المرضى يمكن تجميعهم في مجموعات متشابهة وفق مؤشرات حيوية أو جينية أو سريرية، ثم اختيار العلاج الأفضل لهذه المجموعة. وتشير الأدبيات الحديثة في التغذية الدقيقة مثلًا إلى أن الهدف قد يكون في كثير من الأحيان تقسيم الأشخاص إلى مجموعات ذات خصائص بيولوجية متشابهة بدل إنشاء وصفة غذائية منفصلة تمامًا لكل فرد. (PubMed) كما أن الطب الشخصي يواجه تحديات كبيرة، منها تكلفة الاختبارات، وحماية الخصوصية، وتفسير البيانات، وتفاوت جودة الأدلة، والحاجة إلى تدريب الأطباء والصيادلة على علم الجينوم والبيانات وتحليل المخاطر. وقد أشارت مراجعات حديثة في علم الصيدلة الجينية إلى أن أحد التحديات المهمة ليس اكتشاف الاختلافات بين الأشخاص فحسب، وإنما إدخال هذه المعرفة بصورة عملية داخل مسارات الرعاية الصحية وتطوير المعرفة المتخصصة لدى العاملين في القطاع الصحي. (Nature) ولذلك فإن ملاحظتي الأساسية على تعليم وتدريب الأطباء والصيادلة لا ينبغي أن تكون اتهامًا بأن التعليم الطبي الحالي «خاطئ»، وإنما دعوة إلى السؤال عما إذا كان التعليم الطبي القادم يحتاج إلى إعادة تصميم ليتناسب مع عصر البيانات الشخصية. فالطبيب في المستقبل قد يحتاج إلى فهم أكبر لعلم الجينوم، والصيدلة الجينية، والحركية الدوائية السكانية، والنمذجة الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتغذية الدقيقة، إلى جانب المعرفة الطبية التقليدية. والصيدلي قد ينتقل بصورة أكبر من دور صرف الدواء وفق الوصفة إلى دور في إدارة اعلاج الدوائي الشخصي ومراقبة الجرعات والاستجابة والتداخلات.
وهنا ربما تكون الفكرة الأهم في هذا المقال هي أن المشكلة ليست في أن الطب استخدم المتوسطات، وإنما في أن الإنسان الفرد قد يكون أحيانًا أكثر تعقيدًا من المتوسط الذي تمثل به المجموعة. المتوسط مفيد للبحث والسياسات والتجارب السريرية، ولكنه لا يمثل بالضرورة كل فرد. ولذلك ينبغي أن يكون التطور القادم هو الانتقال من «الطب المبني على متوسطات السكان» إلى «طب يستخدم الدليل السكاني ثم يخصصه للمريض الفرد وفق بياناته الشخصية». وأتصور أن المستقبل قد يسمح ببناء توأم رقمي صحي للمريض، ليس بمعنى إنشاء نسخة إلكترونية كاملة من الإنسان، وإنما نموذج حاسوبي ديناميكي يجمع التاريخ المرضي، والقياسات الحيوية، والتحاليل المخبرية، والأدوية، والاستجابة السابقة، والعوامل الجينية عند الحاجة، وربما بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. ويمكن لهذا النموذج أن يساعد الطبيب في محاكاة سيناريوهات علاجية مختلفة قبل اختيار أحدها. وهذا الاتجاه ليس خيالًا علميًا بالكامل؛ فقد طُرحت بالفعل في الأدبيات العلمية أفكار تربط تخصيص الجرعات بالنمذجة الحركية الدوائية والنماذج الفسيولوجية ومحاكاة المريض الافتراضي. (PubMed Central (PMC
وفي نهاية المطاف، فإن ما أطرحه هنا ليس أن الجرعة الموجودة على علبة الدواء خاطئة، ولا أن الطبيب الذي يصف الجرعة وفق الإرشادات الطبية يرتكب خطأ. الجرعة المعتمدة هي نقطة البداية التي تستند إلى الأدلة، وقد تكون هي الخيار الصحيح تمامًا في عدد كبير من الحالات. لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: هل يمكن أن نستخدم الجرعة القياسية كنقطة بداية، ثم نجعل جسم المريض نفسه مصدرًا للمعلومات التي تحدد ما إذا كانت هذه الجرعة مناسبة له؟ فإذا كان الدواء يعمل بصورة جيدة وآمنة، نستمر. وإذا كانت الاستجابة أقل من المتوقع أو ظهرت آثار جانبية أو كشفت البيانات أن المريض يستقلب الدواء بصورة مختلفة، يمكن تعديل العلاج وفق الدليل. وبذلك يصبح مستقبل الطب قائمًا على حلقة متكررة: تشخيص شخصي، علاج أولي مبني على أفضل دليل متاح، قياس الاستجابة، تحليل البيانات، تعديل الجرعة أو العلاج، قياس جديد، تعلم شخصي مستمر. وهذه الحلقة، في رأيي، قد تكون واحدة من أهم التحولات التي سيشهدها الطب في العقود القادمة. إن الإنسان في النهاية ليس متوسطًا إحصائيًا. نحن نستخدم المتوسط لأن العلم يحتاج إليه لفهم الظواهر، ولكن عندما يأتي المريض إلى الطبيب فهو لا يأتي بمتوسط وزنه أو متوسط مناعته أو متوسط وظائف كبده أو متوسط جيناته؛ إنه يأتي بجسم واحد وتاريخ واحد وتركيبة بيولوجية واحدة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الطب في المستقبل ليس فقط اكتشاف أدوية جديدة، وإنما اكتشاف الطريقة الأفضل لاختيار الدواء والجرعة والتدخل الغذائي المناسب لكل إنسان وفق خصائصه واستجابته الفعلية. وإذا نجح العلم في تحقيق ذلك، فإننا لن نكون قد طورنا الأدوية فقط، بل سنكون قد طورنا مفهوم العلاج نفسه: من علاج المرض في الإنسان إلى علاج الإنسان الذي يحمل المرض.