أحمد الأسمري
كل يوم يمر تحت العقوبات والحصار يضغط على إيران أكثر، لكنه في الوقت نفسه يقرب ترمب ونتنياهو من استحقاقين انتخابيين لا يحتملان كثيراً من المفاجآت.
هنا تكمن مفارقة المرحلة: الوقت يرهق طهران اقتصادياً، لكنه يحرج خصومها سياسياً.
ومع تضاؤل قدرتها على الاحتمال، قد ترى إيران أن الأسابيع المقبلة ليست وقت التراجع، بل اللحظة الأنسب لرفع مستوى التصعيد ومحاولة كسر الخناق.
المؤشرات الاقتصادية لا تمنح إيران كثيراً من الراحة. فقد هبطت شحنات خامها إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، بعدما كانت 1.7 مليون قبل عام، فيما يقترب التضخم من 70 %، وتتراجع قدرتها على الحصول على العملات الأجنبية. وتواصل واشنطن توسيع العقوبات وملاحقة البنوك والشركات وشبكات الالتفاف التي تساعد طهران على تمويل تجارتها النفطية.
ولم يعد الضغط أمريكياً وحده. أوروبا أعادت تفعيل عقوباتها المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ومعها تضيق المساحة المالية والتجارية أمام طهران أكثر، فيما يتقدم مسار آخر لا يقل حساسية: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تدفع نحو إحالة الملف الإيراني مجدداً إلى مجلس الأمن عبر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أول خطوة من هذا النوع منذ نحو 20 عاماً.
كل ذلك يجعل عامل الوقت أكثر إزعاجاً لطهران. استمرار الحال يعني استنزافاً اقتصادياً متراكماً، وضغطاً أكبر على الداخل، وتراجعاً متواصلاً في قدرة السلطة على تمويل احتياجاتها. لكن إيران تنظر في المقابل إلى ساعة أخرى تتحرك لدى خصومها.
إسرائيل مقبلة على انتخابات في 27 أكتوبر، والولايات المتحدة على انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر. وترمب يعرف أن اتساع الحرب وارتفاع أسعار النفط والوقود لا يخدمانه انتخابياً، فيما يدخل نتنياهو استحقاقه تحت ضغط سنوات من الحرب وأسئلتها الأمنية والسياسية.
هنا تحديداً قد ترى إيران نافذتها، ومضيق هرمز هو أكثر أوراق هذه المعادلة حساسية. ففي 3 سبتمبر عبرت 4 سفن سلع فقط المضيق، مقابل متوسط بلغ نحو 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، وفي الوقت نفسه أنهى خام برنت الأسبوع عند 92.68 دولاراً للبرميل، مرتفعاً 7.6 % خلال أسبوع. وكل توتر هناك يستطيع أن يحول الضغط على إيران إلى فاتورة أوسع يدفع جزءاً منها الاقتصاد العالمي، ويشعر بها الناخب الأمريكي في أسعار الوقود والتضخم.
وهنا يصبح التصعيد خياراً مفهوماً في الحساب الإيراني، لا باعتباره طريقاً إلى حرب شاملة، وإنما محاولة لرفع كلفة الخناق على الطرف الذي يفرضه. فإيران تعرف أن الانتظار يرهقها، لكنها تعرف أيضاً أن خصومها قد يكونون أقل استعداداً الآن لتحمل تبعات مواجهة أوسع.
ومع ذلك تبقى المجازفة شديدة الخطورة. فالتصعيد المحدود قد يمنح طهران ورقة ضغط، لكن سقوط أعداد من الأمريكيين أو الإسرائيليين قد يمنح ترمب ونتنياهو، على العكس، المبرر السياسي الذي يحتاجانه لتوسيع الحرب.
لهذا ربما لا يكون السؤال: هل تريد إيران جولة جديدة من الحرب؟ الأرجح أنها تعرف كلفتها جيداً. السؤال الأهم: هل وصلت إلى قناعة بأن استمرار الخناق أصبح أخطر عليها من قرار التصعيد؟
إيران تواجه ساعة اقتصادية تضيق عليها، فيما تقترب ساعة الانتخابات لدى خصومها. وبين الساعتين قد يُتخذ القرار.