د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
«بابا جاء».. كانت جملة صغيرة، لكنها قادرة على تحريك بيت كامل.
ما إن يسمع الأطفال صوت سيارة أبيهم، أو وقع خطواته عند الباب، حتى يتسابقوا إليه. واحد يفتح الباب، وآخر يركض ليستقبله، وثالث يمد يديه إلى الأكياس التي يحملها. لم تكن تلك الأكياس تخفي شيئًا استثنائيًا؛ خبزًا، وفاكهة، وحليبًا، وربما حلوى بسيطة يعرف الأب أن صغاره ينتظرونها. ومع ذلك كان المشهد كله عيدًا صغيرًا يتكرر كل مساء.
لم تكن الفرحة بما في الأكياس وحده، بل بمن جاء بها.
كان الأب يعود من عمله محمّلًا بحاجات المنزل، وربما محمّلًا قبلها بتعب يوم طويل، لكنه ما إن يدخل حتى تتلقفه الوجوه الصغيرة. يسأل، ويمازح، ويوزع ما أحضره، وتبدأ حكايات اليوم. وكان الطفل يشعر، دون أن يعرف كيف يصف شعوره، أن البيت اكتمل بوصول أبيه.
كانت أشياء قليلة تصنع فرحًا كثيرًا. قطعة حلوى قد تقسم بين إخوة، أو فاكهة ينتظر موسمها، أو لعبة صغيرة جاءت مصادفة مع مشتريات البيت. ولم تكن قيمة الأشياء فيما دفع فيها الأب، وإنما في اليد التي حملتها، وفي انتظار الأطفال لها، وفي تلك العلاقة الخفية التي كانت تربط عودة الأب بشيء من الفرح والأمان.
وكان في تلك التفاصيل البسيطة شيء من التربية لا تكتبه المناهج.
يتعلم الطفل أن أباه يخرج من أجل أسرته، وأن ما يصل إلى البيت وراءه جهد، وأن الكيس الذي يوضع على المائدة لم يأت من فراغ. وكان يرى أمه تستقبل والده، ويسمع السؤال عن يومه، ويرى المشاركة في ترتيب ما أحضره، فينشأ في داخله معنى الأسرة بوصفها حياة مشتركة، لا مجموعة أفراد يسكنون تحت سقف واحد.
ولم يكن الأب في تلك البيوت مجرد مصدر للإنفاق، بل كان حضوره جزءًا من إيقاع المنزل. يعرف الأبناء موعد عودته تقريبًا، وربما وقف أحدهم عند النافذة ينتظره، أو سأل أمه أكثر من مرة: متى يأتي أبي؟ كان الانتظار نفسه يصنع قيمة للقاء؛ فالإنسان يفرح أكثر بمن ينتظره.
واليوم تغيرت أشياء كثيرة.
لم يعد الأب بالضرورة يحمل أكياس المنزل؛ فالحاجات تصل إلى الباب بضغطة زر، والطعام يأتي مع مندوب، والمشتريات تُطلب عبر التطبيقات، وما كان الأطفال ينتظرون أن يأتي به الأب أصبح يصل إليهم قبل أن يعود الأب نفسه. وربما صار الطفل يعرف حركة طلبه على الخريطة لحظة بلحظة، لكنه لا يعرف أن أباه في طريقه إلى المنزل.
لكن التحول الأعمق ليس في أكياس البقالة.
التحول في الانتظار.
في بيوت كثيرة يعود الأب، فلا يتحرك أحد. يدخل وقد انشغل هذا بجهازه، وتلك بمقطعها، وآخر بلعبته. وربما ألقى السلام فأتته الإجابة من خلف شاشة، دون أن ترتفع إليه عين. يدخل الإنسان إلى بيته الذي قضى نهاره يعمل من أجله، فلا يكاد يشعر أن أحدًا انتبه إلى دخوله.
والمفارقة أن الأب نفسه قد يدخل وفي يده هاتفه، فيجلس بين أبنائه وهو بعيد عنهم، يجيب رسالة، ويتابع خبرًا، ويتنقل بين التطبيقات. وكذلك الأم والأبناء؛ أجساد متقاربة، وأذهان موزعة في أماكن شتى. أصبح الجميع موجودين في المكان، لكن كل واحد منهم يعيش في مكان آخر.
وهنا لا ينبغي أن نلوم الأبناء وحدهم؛ فالجيل الجديد لم يصنع هذه الحياة بمفرده. نحن الذين أدخلنا التقنية إلى كل زاوية من زوايا البيت، ونحن الذين عوّدنا أبناءنا سرعة الحصول على الأشياء، وربما عوضنا بعض غيابنا بالمشتريات والهدايا، حتى كاد حضور الأشياء يطغى على حضور الأشخاص.
لقد وفرت الحياة الحديثة للأسرة كثيرًا من الراحة، لكنها أخذت منها - إن لم تنتبه - شيئًا من الدفء.
والمشكلة ليست أن البقالة أصبحت تصل إلى المنزل، ولا أن الأطفال يملكون أجهزة لم نكن نملكها؛ فهذه طبيعة الحياة وتطورها. المشكلة أن يصل كل شيء إلى بيوتنا، ولا نصل نحن إلى بعضنا.
أن يعرف الأب ماذا يحدث في أقصى العالم، ولا يعرف ماذا حدث لابنه في المدرسة. وأن تعرف الأم أخبار عشرات الأشخاص، ولا تنتبه إلى صمت أحد أبنائها. وأن يعرف الابن متى يصل طلبه من المطعم، ولا ينتبه إلى موعد عودة أبيه. وأن تجتمع الأسرة في غرفة واحدة، بينما تفصل بينها عوالم كاملة من الشاشات.
لسنا بحاجة إلى خصومة مع التقنية، بل إلى ألا نسمح لها بأن تأخذ مكان الإنسان. فالبيت لا تدفئه الأجهزة الحديثة، ولا كثرة الطلبات، ولا سرعة الإنترنت، بقدر ما تدفئه عين تنظر إلى عين، وسؤال صادق: كيف كان يومك؟ وضحكة تتقاسمها الأسرة، وحديث لا تقاطعه إشعارات الهواتف.
«بابا جاء» لم تكن إعلانًا عن وصول رجل إلى المنزل فقط، بل كانت تعبيرًا عفويًا عن مكانته في نفوس أبنائه. ولهذا فإن استعادة ذلك المعنى لا تحتاج إلى العودة إلى زمن الأكياس الورقية، ولا إلى إغلاق أبواب التقنية، بل إلى إعادة بناء قيمة اللقاء داخل البيت.
أن يكون للدخول سلام له معناه، وللعودة اهتمامها، وللمائدة وقتها، وللحديث مكانه. أن يضع الأب هاتفه جانبًا لبعض الوقت، وأن يترك الأبناء شاشاتهم عندما يعود، وأن يشعر كل فرد بأن وجود الآخر يستحق أن يلتفت إليه. فاستقبال الوالدين ليس عادة قديمة، بل أدب ومحبة ووفاء.
وقد تكون أجمل الأشياء التي نورثها أبناءنا ليست ما نشتريه لهم، بل ما نجعلهم يشعرون به معنا. فالطفل قد ينسى بعد سنوات نوع الهاتف الذي اشتريناه له، وقد لا يتذكر كثيرًا من الألعاب والهدايا، لكنه يتذكر أبًا كان يفرح به، وبيتًا كان يشعر داخله بالأمان، وأيامًا كان فيها اللقاء أهم من الأشياء.
نحن لا نستطيع أن نعيد تفاصيل الأمس، ولا ينبغي لنا ذلك، لكننا نستطيع ألا نفقد المعاني الجميلة التي كانت تسكن تلك التفاصيل.
فليست القضية أن يعود الأب محملًا بالخبز والفاكهة كما كان يفعل الآباء قديمًا، وإنما أن يبقى وصوله إلى بيته حدثًا له قيمته، وأن يشعر أبناؤه أن هناك شخصًا عاد إليهم، لا مجرد باب فُتح ثم أُغلق.
لقد أصبح كل شيء تقريبًا يصل إلى بيوتنا أسرع من آبائنا: الطعام، والمشتريات، والرسائل، والصور، والأخبار.
لكن ثمة شيئًا لا يستطيع أي تطبيق أن يوصله إلى أطفالنا:
دفء أن يركض طفل نحو الباب وهو يصيح بفرح: «بابا جاء».