حذامي محجوب
ثمة شيء طريف ومقلق في آن يحدث لوجوه النساء أمامنا.
كلما ظهرت نجمة في مناسبة عامة، لم يعد السؤال الأول عن أعمالها، ولا عن حضورها، ولا حتى عن فستانها. العين تذهب مباشرة إلى الوجه: هل كبرت؟ هل أجرت شيئًا؟ هل ما زالت تشبه نفسها؟ أين اختفت ملامحها القديمة؟ ومن الطبيب الذي نجح أو أخفق في مهمته؟
كأننا لم نعد نريد من المرأة أن تكبر، بل نريدها أن تقضي حياتها في محاولة لإثبات أنها لم تكبر أصلًا.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر مفارقات عصرنا غرابة: المرأة تريد أن تبدو مختلفة، لكن سوق الجمال يدفعها، أحيانا، إلى أن تبدو مثل الجميع.
تدخل إلى عيادة التجميل وهي تحمل صورة لوجه تتمنى أن يصبح أكثر جمالًا، وتخرج منه بوجه قد يكون أجمل وفق مقاييس الموضة، لكنه أقل شبها بها.
الشفاه تكبر، والخدود تنتفخ، والحواجب ترتفع، والوجه يُشد، والجبين يلمع من فرط السكون، حتى باتت بعض الوجوه تحتاج إلى لحظة تأمل قبل أن نتأكد من صاحبتها.
أما الشفاه، فلها حكاية أخرى.
لقد انتقلنا من الرغبة في شفاه جميلة إلى سباق غريب نحو الشفاه الأكبر. ثم جاءت الخدود لتدخل المنافسة، وكأن الوجه البشري أصبح أرضا مفتوحة لمشروعات التوسعة العمرانية!
شفاه تكاد تقول شيئا لا نعرفه، وخدود تبدو مستعدة لاستقبال طائرة، ووجوه مشدودة إلى أعلى كأنها تحاول الإفلات من الجاذبية الأرضية.
وقد يصبح المشهد ساخرا إلى درجة أنك قد تحتاج أحيانا إلى بطاقة تعريف لمعرفة النجمة التي أمامك، بعدما أصبحت الملامح متقاربة إلى حد مذهل.
وهذه هي المفارقة الكبرى: في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن التفرد والتميز وقبول الذات، تنتج صناعة الجمال نمطا واحدا من الوجوه.
الجميع يريد أن يكون مختلفا، لكن وفق النموذج نفسه!
وهنا لا تكمن المشكلة في الفيلر أو البوتوكس أو أي إجراء تجميلي في ذاته. فالتجميل، حين يُستخدم باعتدال ووعي، يمكن أن يكون وسيلة مشروعة للعناية بالنفس. وليس من حق أحد أن يفرض على امرأة كيف تريد أن ترى نفسها؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول التجميل من اختيار إلى ضغط، ومن رغبة في تحسين المظهر إلى خوف مرضي من العمر، ومن عناية بالجسد إلى رفض للهوية التي يحملها الوجه.
عندها لا تعود المرأة تسأل: «كيف أبدو أجمل؟»
بل تبدأ في السؤال: «كيف أبدو أصغر؟»
وهذا السؤال، في ظاهره بسيط، يخفي وراءه أزمة ثقافية كاملة.
لأننا حين نجعل «الأصغر سنًا» مرادفا لـ»الأجمل»، نكون قد حكمنا مسبقًا على كل ما يأتي بعد الشباب بأنه أقل قيمة.
الشباب يصبح الأصل، وما عداه محاولة فاشلة للعودة إليه.
وهكذا تصبح المرأة في الأربعين مطالبة بأن تبدو في العشرين، وفي الخمسين مطالبة بأن تبدو في الأربعين، وفي الستين مطالبة بأن تقنع الجميع بأنها لم تتجاوز الخمسين.
وفي السبعين ربما يُطلب منها أن تستعيد وجهًا لم تعد هي نفسها تذكره!
لكن لماذا؟
لماذا يجب أن يبدو الوجه وكأنه لم يعش؟
هذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.
فالوجه ليس مجرد سطح جلدي. إنه أكثر أجزاء الإنسان قدرة على رواية سيرته دون كلمات.
فيه آثار السهر، والضحك، والمرض، والقلق، والحب، والحزن، والأمومة، والنجاح، والفشل. فيه آلاف اللحظات التي مرت على الإنسان وتركت أثرها ثم مضت.
التجاعيد، بهذا المعنى، ليست فقط علامات على الجلد.
إنها أرشيف للحياة.
وحين نمحوها كلها بلا تمييز، قد نمحو معها شيئًا من اللغة التي يتحدث بها الوجه.
لا يعني ذلك أن علينا أن نستسلم للإهمال أو أن نرفض العناية بالجسد. على العكس. أن تحافظ المرأة على صحتها، ورشاقتها، ونضارة بشرتها، ونومها، وحيويتها، وأن تهتم بمظهرها، كل ذلك احترام للذات وليس حربا على الزمن.
لكن هناك فرقا دقيقا وعميقا بين أن تحافظ على نفسك وأن تحاول محو نفسك القديمة واستبدالها بوجه رائج.
الأول عناية، والثاني قد يتحول إلى اغتراب.
فالصناعة الحديثة لا تبيع للمرأة مستحضرا تجميليا فقط. إنها تبيعها فكرة كاملة عن نفسها: أن هناك دائما شيئا ناقصا فيها.
تجاعيد تحتاج إلى علاج.
شفاه تحتاج إلى تكبير.
خدود تحتاج إلى نفخ.
وجه يحتاج إلى شد.
عنق يحتاج إلى تدخل.
وهكذا يصبح الجسد ورشة لا تنتهي، وكلما أُنجز مشروع بدأ مشروع آخر.
المشكلة أن هذه الصناعة لا تحتاج إلى أن تكره المرأة نفسها منذ البداية، يكفي أن تجعلها غير راضية تمامًا.
وهذه هي الآلية الأكثر ذكاءً في اقتصاد الجمال: لا تجعلك قبيحًا، وإنما تجعلك تشعر بأنك يمكن أن تكون أجمل دائمًا.
ثم لا تترك لك تعريفا واضحا للجمال، لأن التعريف نفسه يتغير باستمرار.
شفاه الأمس أصبحت صغيرة.
وخدود الأمس أصبحت مسطحة.
وجه الأمس أصبح بحاجة إلى شد.
وهكذا يصبح الإنسان في مطاردة مستمرة لمعيار لا يستقر.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي أضافت طبقة أكثر تعقيدًا إلى هذه المشكلة.
فالمرأة اليوم لا ترى وجهها وحده، وإنما تراه إلى جوار آلاف الوجوه المصقولة بالفلاتر والإضاءة والتعديل الرقمي والعمليات التجميلية.
بشرة بلا مسام.
عيون بلا تعب.
أنوف متقاربة.
شفاه متشابهة.
وخدود ترتفع جميعها بالطريقة نفسها.
ثم تعود المرأة إلى مرآتها، إلى وجهها الحقيقي، وتحاسبه لأنه لا يشبه الصورة التي صنعتها الشاشة.
أي جنون هذا؟
أن نقارن جلدا حقيقيا بصورة رقمية، ثم نعتبر الجلد الحقيقي هو المشكلة!
لقد أصبحت التكنولوجيا قادرة على صناعة وجه مثالي في ثوانٍ، لكن الإنسان الحقيقي يحتاج إلى أن يعيش سنوات حتى يصنع تعبيرا واحدا صادقا في عينيه.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا نريد من الوجه؟
هل نريده أن يكون جميلًا فقط؟
أم نريده أن يكون صادقا أيضا؟
لأن الجمال الذي لا يسمح للوجه بأن يعبر عن صاحبه قد يتحول إلى قناع.
وما جدوى أن يصبح الوجه أصغر سنًا إذا أصبحت صاحبته لا تتعرف إلى نفسها فيه؟
هذه ليست مشكلة النجمات وحدهن.
النجمات هن فقط الواجهة الأكثر وضوحًا للظاهرة، لأن وجوههن تحت الأضواء وتحت عدسات المصورين وتحت التعليقات القاسية للجمهور.
لكن وراءهن ملايين النساء اللواتي يعشن المشكلة نفسها على نطاق أصغر.
امرأة تخاف من أول تجعيدة.
وأخرى تخفي الشيب.
وثالثة تراقب خط الفك.
ورابعة تشعر أن وجهها تغير بعد الأربعين وكأنها ارتكبت خطأ.
وفي كل مرة تظهر امرأة أكبر سنًا أمام الكاميرا بوجه طبيعي، يبدأ النقاش: لماذا لم تفعل شيئًا؟
وكأن ترك الوجه يعيش عمره أصبح نوعا من الإهمال.
لكن لماذا نتعامل مع تقدم المرأة في العمر بهذه القسوة؟
لماذا يُنظر إلى الرجل الذي يكتسب الشيب باعتباره أكثر وقارًا، بينما يُنظر إلى المرأة التي تظهر التجاعيد وكأنها خسرت شيئًا من قيمتها؟
الرجل قد يدخل الستين فتُقرأ سنواته باعتبارها خبرة.
أما المرأة فقد تدخل الستين ويصبح السؤال: «كيف حافظت على شكلها؟»
وكأننا نسمح للرجل بأن يكون عمره، بينما نطلب من المرأة أن تخفي عمرها.
وهذا ليس مجرد انحياز جمالي.
إنه انعكاس لنظرة أعمق إلى المرأة، حين تختزل قيمتها في مظهرها وقدرتها على المحافظة على شبابها.
وهنا تصبح المعركة مع العمر معركة مع صورة اجتماعية أكثر منها مع الزمن نفسه.
فالمرأة لا تخاف دائمًا من التجاعيد لأنها تكرهها هي، وإنما لأنها تعلم كيف سيقرأها الآخرون.
تخاف من أن يقال إنها كبرت.
من أن تصبح أقل حضورا.
من أن تتراجع جاذبيتها.
من أن يعاملها المجتمع وكأنها خرجت من دائرة الضوء.
ولذلك فإن تحرير المرأة من هذا الخوف لا يبدأ بالقول لها: «لا تهتمي بمظهرك».
بل يبدأ بالقول لها شيئًا مختلفًا:
اهتمي بنفسك، لكن لا تعتذري عن عمرك.
اعتني بوجهك، لكن لا تكرهيه لأنه تغير.
حافظي على صحتك، لكن لا تعتبري الجسد الذي تقدم في العمر جسدًا خانك.
افعلي ما يجعلك سعيدة، لكن لا تجعلي رضا الآخرين عن مظهرك هو معيار قيمتك.
فالإنسان لا يصبح أقل إنسانية عندما يتقدم في العمر.
بل ربما يصبح أكثر امتلاءً بالإنسانية.
هناك أشياء لا يستطيع الشباب وحده أن يمنحها.
الحكمة مثلًا، والتجربة.
والقدرة على التمييز بين ما يستحق الحزن وما لا يستحقه.
القدرة على الحب دون أوهام كثيرة.
والقدرة على الفرح بالأشياء الصغيرة.
والقدرة على النظر إلى الحياة بشيء من الامتنان.
وهنا تكمن المفارقة التي لا ننتبه إليها: نحن ننفق أموالًا ووقتًا وطاقة هائلة حتى نحافظ على شباب الوجه، بينما لا نسأل بالقدر نفسه كيف نحافظ على شباب الروح.
قد نستطيع أن نملأ خدًا، لكن هل نستطيع أن نملأ قلبا فارغا؟
قد نستطيع أن نشد جلدًا، لكن هل نستطيع أن نشد علاقة ممزقة؟
قد نستطيع أن نعيد رسم الشفاه، لكن هل نستطيع أن نعيد إلى الإنسان قدرته على الكلام من القلب؟
قد نخفي التجاعيد، لكن هل نستطيع أن نمحو الحزن الذي صنعها؟
هذه الأسئلة ليست ضد التجميل، وإنما ضد الوهم الذي يجعل الشكل الخارجي علاجًا لكل شيء.
فالروح أيضًا تحتاج إلى عناية.
تحتاج إلى الحب، والصداقة، والفضول، والضحك، والقراءة، والسفر، والعمل، والإنجاز، والدهشة.
وهذا النوع من الشباب لا يحتاج إلى حقن.
كل مرحلة من العمر تحمل جمالها الخاص.
في العشرين تكون النضارة.
في الثلاثين تتشكل الثقة.
في الأربعين يتبلور الحضور.
وفي الخمسين والستين تتراكم طبقات الشخصية والتجربة.
ثم تأتي أعمار أخرى تمنح الإنسان هدوءًا لا يمكن شراؤه.
فلماذا نصر على إعادة امرأة إلى مرحلة عمرية غادرتها، بدل أن نساعدها على اكتشاف جمال المرحلة التي وصلت إليها؟
ربما لأن ثقافتنا الحديثة أصبحت تخاف من الزمن أكثر مما تحترم الحياة.
نريد كل شيء جديدا: الوجوه، والأجساد، والملابس، وحتى المشاعر.
نريد صورة الإنسان أن تبقى ثابتة، بينما الحياة نفسها لا تتوقف عن التغير.
لكن الزمن ليس عدوًا.
إنه الثمن الذي ندفعه مقابل أن نعيش.
كل سنة تمر تعني أن سنة أخرى لم تمر هباءً، وأن هناك شيئًا حدث، وذكرى تكونت، وشخصًا أحببناه، وشيئًا تعلمناه.
ليس كل ما يفعله الزمن بنا خسارة.
بعضه نضج.
وبعضه حكمة.
وبعضه قدرة على التسامح.
وبعضه معرفة بأن الأشياء التي كانت تبدو نهاية العالم في العشرين، قد تبدو لنا في السبعين مجرد حادثة صغيرة في طريق طويل.
ولهذا ربما تكون العبارة الأجمل في مواجهة العمر ليست: «كيف أبدو أصغر؟»
بل: «كيف أعيش أفضل؟»
وهذا تغيير صغير في السؤال، لكنه يغير فلسفة الحياة كلها.
بدل أن نسأل كيف نمحو آثار السنوات، نسأل كيف نجعل السنوات القادمة أكثر امتلاء.
بدل أن نخاف من التجاعيد، نخاف من أن تمر السنوات دون أن نعيشها.
بدل أن ننشغل بأن يبدو الوجه في الثلاثين، نحرص أن تظل الروح قادرة على الفرح في السبعين.
فليس المهم أن يبدو الإنسان شابًا إلى الأبد.
المهم ألا يسمح للعمر بأن يجعله عجوزًا من الداخل.
قد يتغير الجسد، لكن لا يجب أن يتوقف القلب عن الدهشة.
قد يصبح الشعر أبيض، لكن لا يجب أن يصبح الحلم أبيض من شدة الاستسلام.
قد يبطؤ الجسد، لكن لا ينبغي أن تتوقف الرغبة في الحياة.
وإذا كان من حق المرأة أن تستخدم ما تشاء من وسائل التجميل، فمن حقها أيضا أن تختار شيئًا آخر أكثر صعوبة وشجاعة: أن تقبل وجهها كما هو.
ليس قبولًا للاستسلام، وإنما قبولًا للواقع.
أن تنظر إلى المرآة وتقول: هذه أنا.
هذه التجاعيد عاشت معي.
هذا الشيب وصل معي إلى هنا.
وهذه الملامح تغيرت لأنني تغيرت.
لا أريد أن أعود إلى الوراء.
أريد فقط أن أكون جميلة في المكان الذي وصلت إليه.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله المرأة بعمرها هو ألا تحوله إلى سر تخجل منه.
فهي ليست في امتحان أمام المجتمع.
وليست مطالبة بأن تثبت أن الزمن لم ينتصر عليها.
فالزمن لم يكن خصمها أصلًا.
لقد كان رفيقها.
والوجه الذي حمل الإنسان عبر كل تلك السنوات ليس وجهًا خذله الزمن، وإنما وجه شهد له بأنه عاش.
لذلك، حين نرى في المرة القادمة نجمة بشفاه منتفخة وخدود تكاد تسبقها إلى الحفل، ربما لا يكون السؤال: «ماذا فعلت بوجهها؟»
بل سؤال أكثر إنسانية:
ماذا فعل بنا خوفنا من العمر حتى أصبحنا نخشى وجوهنا حين تبدأ في قول الحقيقة؟
ربما آن لنا أن نتصالح مع تلك الحقيقة.
أن نعتني بأنفسنا دون أن نكره أنفسنا.
أن نجمّل وجوهنا دون أن نمحوها.
أن نرفض الإهمال، لكن نرفض أيضًا الهوس.
وأن نفهم أن الجمال ليس أن يبدو الوجه كأنه لم يعش، وإنما أن يكون وراءه إنسان عاش ما يكفي ليصبح أكثر عمقا ودفئا وصدقا.
في النهاية، ليست أجمل امرأة هي التي استطاعت أن تخدع الجميع بعمرها.
الأجمل هي التي لم تعد تحتاج إلى خداع أحد.
امرأة تدخل الستين دون أن تعتذر عن الستين.
تضحك دون أن تخاف من خطوط الضحك.
تحب دون أن تسأل إن كان الحب يليق بعمرها.
تلبس ما تحب، وتعتني بنفسها، وتمشي مرفوعة الرأس، وتترك وجهها يقول الحقيقة دون خوف.
تلك المرأة لا تحارب الزمن.
لقد تصالحت معه.
وحين تتصالح المرأة مع عمرها، يحدث شيء أجمل بكثير من استعادة الشباب:
تستعيد نفسها.
وعندها يصبح الوجه، بكل تجاعيده وشعره الأبيض وملامحه المتغيرة، ليس دليلًا على أن الزمن مرّ منها فحسب، بل دليلًا على أنها مرت بالحياة أيضًا.
وهذه، في النهاية، ليست علامة نقص.
إنها أجمل شهادة يمكن لوجه إنسان أن يحملها.