علي حسن حسون
تمرّ العلاقات الاجتماعية في حياة الإنسان بمراحل متعددة، تبدأ في كثير من الأحيان بالتقارب والمودة، ثم تتطور مع الأيام لتصبح أكثر عمقًا واستقرارًا. إلا أن هذه العلاقات، مهما بلغت قوتها، لا تخلو من المنعطفات والمواقف التي تكشف حقيقة المشاعر، وتوضح طبيعة العلاقة، وتضعها أمام اختبار حقيقي: هل هي علاقة قائمة على التقدير والاهتمام المتبادل، أم أنها مجرد علاقة اعتاد عليها الطرفان مع مرور الوقت؟
وفي أحيان كثيرة، لا تنتهي العلاقات بسبب موقف واحد، وإنما تبدأ بالتراجع تدريجيًا. يقل التواصل، وتختفي المبادرات، وتصبح الكلمات أقل، واللقاءات أبعد، حتى يتسلل إلى العلاقة شيء من البرود والفتور، دون أن يعلن أحد الطرفين صراحة أن شيئًا ما قد تغير.
وربما يكون أحد الطرفين أكثر حرصًا على استمرار العلاقة، فيحاول أن يبني من جديد جسور التواصل التي تصدعت، ويبحث عن فرصة لإعادة الأجواء إلى ما كانت عليه. يبادر بالسؤال، ويتواصل، ويتجاوز بعض المواقف، ويلتمس الأعذار، وربما يقدم تنازلات كثيرة، ليس ضعفًا منه، وإنما لأنه يقدّر العلاقة ولا يريد أن يخسرها بسهولة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تكون كل هذه المحاولات من طرف واحد.
فمهما حاول الإنسان أن يصلح علاقة، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بمفرده. فالعلاقات الإنسانية تحتاج إلى طرفين، وإلى رغبة مشتركة في الاستمرار، وإلى قدر من الاهتمام والتقدير المتبادل. أما أن يظل أحدهما يبادر، بينما يقابل الطرف الآخر تلك المبادرات بالصدود أو التجاهل أو اللامبالاة، فهنا يصبح السؤال مختلفًا: إلى متى يستمر الإنسان في محاولة إثبات مكانته لدى شخص لم يعد يرى فيها قيمة؟
وهنا تحضرني حكمة شعبية جميلة تحمل الكثير من المعاني: (من لا يراك ربحًا، فلا تعتبره خسارة).
هذه العبارة، رغم بساطتها، تختصر تجربة طويلة في العلاقات الإنسانية. فليس كل من ابتعد عنا خسرناه، وليس كل علاقة انتهت تعني أننا خرجنا منها خاسرين. أحيانًا يكون الإنسان هو من يحمّل بعض العلاقات أكبر من حجمها، ويعتقد أن فقدانها سيترك فراغًا لا يمكن تعويضه، ثم يكتشف بعد فترة أن ذلك الابتعاد كان في الحقيقة راحة، وأنه كان يتمسك بعلاقة لم تعد تحمل له المعنى نفسه الذي كان يحمله لها.
ومن الخطأ أن يجعل الإنسان قيمته مرتبطة بنظرة الآخرين إليه. فعدم تقدير شخص لك لا يعني أنك بلا قيمة، وعدم اهتمامه بك لا يعني أنك غير جدير بالاهتمام. ربما يكون الخلل في طبيعة العلاقة، أو في اختلاف الأولويات، أو في تغير المشاعر، أو ببساطة لأن الطرف الآخر لم يعد يرى في استمرار العلاقة ما تراه أنت.
وفي جميع الأحوال، لا ينبغي للإنسان أن يستنزف نفسه في محاولة مستمرة لإثبات مكانته.
لا تركض خلف من اختار الابتعاد، ولا تطرق بابًا أغلقه صاحبه في وجهك مرارًا، ولا تجعل نفسك في موقف دائم من الانتظار بحثًا عن كلمة أو مبادرة أو اهتمام. فهناك فرق كبير بين أن تحافظ على علاقة تستحق الحفاظ عليها، وبين أن تتمسك بعلاقة لم يعد الطرف الآخر يرغب في استمرارها.
المبادرة أمر جميل، والاعتذار أمر نبيل، ومحاولة إصلاح العلاقات دليل على نضج الإنسان وحرصه على من حوله، لكن لكل شيء حدودًا. وعندما تصل إلى مرحلة تشعر فيها أن وجودك وغيابك أصبحا سيان لدى الطرف الآخر، فربما تكون أفضل خطوة هي أن تتراجع بهدوء، دون عتاب طويل، ودون خصومة، ودون أن تحمل في قلبك ضغينة.
ليس كل ابتعاد يحتاج إلى معركة، وليس كل علاقة انتهت تحتاج إلى تفسير طويل.
أحيانًا يكون الصمت هو الإجابة، ويكون الانسحاب الهادئ أكثر احترامًا من الاستمرار في محاولات لا تجد صدى.
وتذكر دائمًا أن قيمتك لا يحددها شخص واحد، ولا تتوقف على قبول الآخرين لك. أنت تعرف نفسك، وتعرف ما قدمته، وتعرف مقدار صدقك وإخلاصك في علاقاتك. لذلك لا تسمح لتجاهل شخص ما أن يجعلك تشك في نفسك أو تقلل من شأنك.
امضِ في طريقك، وثق بنفسك جيدًا، واحتفظ بكرامتك، ولا تلتفت كثيرًا إلى من اختار ألا يقدّر وجودك.
فالحياة مليئة بالعلاقات، وبعضها يبقى، وبعضها يرحل، وبعضها يأتي ليمنحنا السعادة، وبعضها يأتي ليعلمنا درسًا.
وقد يكون أجمل ما نتعلمه من بعض العلاقات أن التقدير لا يُطلب، والاهتمام لا يُستجدى، والمكانة الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات.
ومن لا يراك ربحًا في حياته، فلا تتعب نفسك في إقناعه بقيمتك. اتركه يمضي... وامضِ أنت أيضًا.
فربما كان ما ظننته خسارة، هو في الحقيقة بداية لطريق أكثر راحة، وعلاقات أكثر صدقًا، وأشخاص يرون وجودك قيمة حقيقية لا شيئًا عابرًا في حياتهم.
لا تلتفت خلفك كثيرًا... فبعض الطرق لا تستحق العودة إليها، وبعض الأبواب حين تُغلق، تفتح لك الحياة أبوابًا أفضل منها.