نجلاء العتيبي
مررتُ بتغريدة جميلة استوقفتْني فكرتُها، وما أخفته خلف بساطتها من معنًى عميقٍ؛ إذ لامستْ شعورًا يسكن القلوب، ويُعبّر عن مكانة الوطن فيها، وعن امتنان أبنائه لما ينعمون به على أرضه.
ثمَّة كلمات تمُرُّ أمامنا سريعًا، غير أنها تفتح في الداخل أبوابًا واسعةً للتأمُّل، وقد أعادتْني تلك التغريدة إلى سؤال يبدو بسيطًا: ماذا يعني أن يكون للإنسان وطنٌ يحبُّهُ؟ ليست الإجابة اسمًا في وثيقة، ولا حدودًا نراها على الخريطة؛ إنها إحساسٌ بالأمان يُرافق خطواتنا، وطمأنينةٌ تسكن البيوت، وذاكرةٌ تتشكَّل من الوجوه والطُّرُقات واللهجات والمواسم؛ فالوطن حياة تمتدُّ فينا، حتى يُصبح حضوره جزءًا من الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم.
وفي السعودية يأخذ الانتماء معناه من علاقة عميقة تجمع الإنسان بأرضه، علاقة صنعتها أيام مشتركة، وحكايات تناقلتها الأجيال، ومنجزات تنمو أمام العيون، وطموحات تتجه إلى الغد بثقة؛ لهذا يظهر الاعتزاز في حديث الناس بعفوية صادقة؛ في فرحتهم بكل نجاحٍ، وفي احتفائهم بمُدُنهم، وفي تعلُّقهم بتفاصيلَ قد تبدو صغيرة، مع أنها تحمل لديهم عمرًا كاملًا من الأُلفة، هنا يصبح المكان أكثر من مساحة؛ يصبح ذاكرةً وهويةً وسندًا.
نعمة الوطن لا تختصرها وفرة الأشياء، فهناك نعمٌ هادئةٌ لا تلفت الانتباه كل صباحٍ، رغم أنها تصنع جودة الحياة كلها؛ أن يخرج الإنسان إلى عمله مطمئنًّا، وأن يعود إلى أسرته آمنًا، وأن يجد أمامه تعليمًا ورعايةً وفرصًا ومسارات متعددة لمستقبله؛ تلك مكاسبُ تسكن اليوم العادي وتمنحه قيمته، وحين يتأمَّل السعودي واقعه، يرى أثر وطنٍ يضع الإنسان في قلب اهتمامه، ويمضي به نحو آفاقٍ أوسَعَ من المعرفة والعمل والإبداع.
وما تشهده المملكة من تحوُّل لا ينفصل عن روحها الراسخة، مُدُن تتجدَّد، ومشروعات تُعيد تعريف الممكن، وثقافة تحضر بثقةٍ، وشباب يجدون مساحاتٍ رحبةً لأفكارهم ومواهبهم، وفي قلب هذا التقدُّم تبقى الهوية حاضرة؛ لا تعوق الحركة، وإنما تمنحها ملامحها الخاصة؛ فالمستقبل هنا لا يطلب من الأرض أن تنسى تاريخها، وإنما يفتح لهذا التاريخ نافذة جديدة؛ ليواصل حضوره بلغة العصر، ويحمل قيمه إلى أجيال قادمة.
لهذا لا يبدو الشعور الوطني مناسبة مؤقَّتة أو عبارة تقال في وقتٍ محدَّدٍ؛ إنه ممارسة يومية تظهر في الإتقان، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الأنظمة، والرفق بالمكان، وتمثيل البلاد بصورةٍ تليق بها، يظهر في موظفٍ يُؤدّي أمانته، ومُعلِّمٍ يفتح نافذة للمعرفة، وطبيبٍ يخفف ألمًا، ومُبدعٍ يُقدّم فكرة، وأُمٍّ تغرس في أبنائها الوفاء؛ فكل عمل صادق يُضيف إلى الوطن معنًى، وكل مسؤولية تؤدَّى بإخلاصٍ تضع حجرًا في بنائه الممتد.
ولعل أجمل ما في اعتزاز السعوديين بوطنهم أنه يجمُعُهم مع اتساع تنوُّعهم، من البحر إلى الجبل، ومن الصحراء إلى السهل، تختلف الملامح والعادات والنبرات، ويبقى الاسم واحدًا في القلوب، هذا التنوُّع لا يفرق الحكاية؛ إنه يُثريها، ويمنحها ألوانًا متعددة داخل إطار واحد، ولكل منطقة ذاكرتها وخصوصيَّتها، ولكل مدينة طابعها، وفي المجموع تتشكَّل السعودية كما يُحبُّها أبناؤها: واسعة بروحها، غنية بإنسانها، ثابتة في قيمها، متطلعة في رؤيتها.
ليس الامتنان للوطن ادعاءً بأن الحياة تخلو من التحديات؛ بل قيمته أنه يُحوّل المحبة إلى رغبة في المشاركة والإصلاح؛ فالأوطان العظيمة لا يصنعها الاكتفاء بالمديح، وإنما تصنعها سواعدُ ترى في كل تحدٍّ فرصةً، وفي كل مسؤولية عهدًا، والمحبة الصادقة تمنح الإنسان دافعًا ليُضيف، ويقترح، ويتعلَّم، ويحمي ما تحقَّق، حتى يكون حاضر البلاد جديرًا بتاريخها، ويكون مستقبلها امتدادًا لطموحٍ لا يتوقَّف.
ومن هنا يُصبح الامتنان مسؤولية جميلة: أن نصون ما لدينا، ونشارك في نمائه، ونترك لمن بعدنا وطنًا أكثر ازدهارًا واتساعًا وأمانًا.
ربما كانت التغريدة قصيرة، لكن الأثر الذي تركته كان أكبر من مساحتهاـ لقد ذكَّرتني بأن بعض المعاني لا يحتاج إلى ضجيج كي تصل؛ يكفي أن تمسَّ موضعها في القلب، والسعودية في قلوب أبنائها ليست مكانًا للإقامة وحده، وإنما بيتٌ للروح، ومصدرٌ للعزة، وأُفُقٌ تتسع فيه الأحلام، وهي نعمة تُرى في الأمن، وتُلمَس في النهضة، وتُحفَظ بالوفاء، وتكبر كلما أسهم أبناؤها في رفعتها، وحين يتحدَّث السعودي عنها بمحبَّةٍ، فإنه لا يصف أرضًا خارج ذاته؛ إنه يتحدَّث عن جزء منه، عن جذوره وملامحه وذاكرته، وعن وطنٍ يسكنه بقدر ما يسكن فيه.
ضــــوء
«دعوني فقد هامَ الفؤادُ بحبِّهِ
وما منيتي إلا الحياةُ بقربِهِ
فليسَ لهُ بينَ البلادِ مُشابهٌ
وكلُّ بني الإسلامِ تحدُو لِصوبِهِ»
- علي الحازمي