هدى بنت فهد المعجل
تتراقص الأشياء في أفق العيان مرة واحدة كشهاب خاطف، لكنها لا تغرس جذورها في جوهر الروح إلا حين تعود. إن السير الأول في طريق ما هو إلا استكشاف للملامح السطحية، أما «العودة» فهي رحلة الغوص في الأعماق؛ حيث يصبح العابر خبيراً بمنحنيات الأرض وتضاريس المعنى.
ليست العودة مجرد ارتداد زمني أو جغرافي، بل هي التفاتة شجاعة لذات كانت بالأمس تبصر الأشياء بغشاوة البدايات. وحين يقترن العود «بالتكرار»، لا يعود الفعل رتابة مملة كما يظن السطحيون، بل يتحول إلى نحت مستمر في صخر الإدراك. كل تكرار صادق هو صيقلة تزيل الصدأ عن المفاهيم، وتحول الانطباع الأولي العابر إلى يقين مستقر. فالقطرة لا تفلق الصخر بقوتها، بل بتكرار سقوطها، وكذلك الحقيقة لا تستقر في الوجدان إلا بتكرار المواجهة.
من هنا، تبرز هذه الثنائية كـ«بوابة لاتخاذ القرار». إن القرارات المصيرية لا تولد في لحظات الانفعال الأولى، ولا في زخات الشغف المؤقت، بل تصنع في محراب العودة والمتابعة. حين تعود إلى موقف ما للمرة الثانية أو الثالثة، أنت لا تكرر التجربة بذات العيون، بل تحاكمها بذات أكثر نضجا، وتستشف منها ما كان مخفياً عنك في زحمة اللهفة الأولى.
التكرار يعري الزائف ويبقي الأصيل. المشاعر العابرة تذبل أمام التكرار، بينما ترسخ الرغبات الحقيقية وتزداد وضوحاً. لذلك، حين تقف على عتبة قرار حاسم، اجعل من «العودة والتكرار» مشكاة تنير لك المسار. عد إلى النص الذي كتبته، إلى الخطة التي رسمتها، إلى العلاقة التي اختبرتها؛ تقص الوجوه والتفاصيل، وراقب كيف يتبلور المعنى في كل كرة.
إن حكمة «العودة والتكرار» تكمن في أنها تحرر الإنسان من سطوة العشوائية والخوف من المجهول. إنها تجعل القرار خياراً واعياً ناتجاً عن ألف تأمل، لا رد فعل متسرعاً تذروه الرياح. العودة هي مرآة الحكمة، والتكرار هو الإصرار الذي يصنع المصير؛ ومن ولج القرار من هذه البوابة، أمن الندم واستند إلى ثبات العارفين.