د. محمد بن أحمد غروي
احتفل العالم في الخامس من سبتمبر باليوم الدولي للعمل الخيري، الذي أقرته الأمم المتحدة لتعزيز التضامن الإنساني، وتشجيع الأفراد والمؤسسات على الإسهام في مواجهة الفقر والأزمات، ولا يبدو العطاء في جنوب شرق آسيا نشاطًا موسميًا أو ممارسة مؤسسية فحسب، وإنما امتدادًا لمنظومة اجتماعية ترى في مساعدة الآخر جزءًا من مسؤولية الفرد تجاه جماعته.
تعكس مؤشرات العطاء هذه الخصوصية بوضوح؛ فوفق بيانات تقرير العطاء العالمي أفاد 84 % من الإندونيسيين بأنهم قدموا شكلًا من أشكال العطاء، مقابل 78 % في الفلبين، و74 % في كل من ماليزيا وسنغافورة، ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ترتيب الدول، بقدر ما تكشفه من اتساع المشاركة الشعبية وتنوعها بين التبرع للمؤسسات، ومساعدة المحتاجين مباشرة، والعطاء عبر القنوات الدينية.
وراء هذه النتائج رصيد ثقافي متراكم؛ ففي إندونيسيا وماليزيا يبرز مفهوم «غوتونغ رويونغ»، أي التعاون والمساعدة المتبادلة، باعتباره التزامًا جماعيًا تتقاسم من خلاله المجتمعات الأعباء وتواجه الأزمات، ولا يقتصر أثره على العمل التطوعي المنظم، بل يظهر في الحياة اليومية، من إنجاز الأعمال المشتركة إلى إغاثة المتضررين ودعم الأسر المحتاجة.
وفي تايلاند، تعبّر روح «نام جاي»، أو «ماء القلب»، عن الكرم النابع من المحبة واللطف من دون انتظار مقابل. وقد تجسدت هذه الروح تقليديًا في وضع جرار الماء أمام المنازل للمارة، وفي تقديم الطعام أو المأوى للمحتاج، أما في الفلبين، فيحمل تقليد «باسالوبونغ» معنى تذكّر الأهل والأصدقاء بالهدايا عند العودة من السفر، في حين يوسّع مفهوم «باغكاكالوب» دائرة العطاء لتشمل بذل الوقت والموهبة والمال وخدمة القضايا العامة، وفي فيتنام، تؤدي قيم المحبة والتساند دورًا مماثلًا، ولا سيما عند الكوارث الطبيعية، حين تتحول المبادرة الفردية سريعًا إلى تضامن مجتمعي واسع.
وتكشف التجربة الماليزية قدرة هذه القيم على ابتكار استجابات شعبية عند الأزمات. ففي عام 2021، انتشرت حملة «العلم الأبيض خلال جائحة كورونا، ودعت الأسر التي تحتاج إلى الغذاء والضروريات إلى تعليق راية بيضاء أمام منازلها، بما يتيح للجيران والمتطوعين الوصول إليها من دون وصم أو حرج.
ولا يجب الخلط بين شيوع المبادرات الأهلية ونضج القطاع الخيري؛ فاستدامة الأثر تتطلب أنظمة واضحة، وشفافية في جمع الأموال، وقياسًا للنتائج، وقدرة على الانتقال من الاستجابة العاجلة إلى معالجة أسباب الحاجة. وهنا يبرز التحدي أمام دول المنطقة: كيف تحوّل رأس مالها الاجتماعي إلى قدرة مؤسسية مستدامة؟.
والدرس الأهم أن استدامة العطاء لا تبدأ من الحملات وحدها، وإنما من تحويل التضامن إلى عادة اجتماعية، ثم بناء مؤسسات موثوقة توسع أثرها وتحفظ كرامة المستفيد. وهذا ما يجعل تجربة آسيان جديرة بالتأمل؛ فهي تقدم العمل الخيري بوصفه علاقة متبادلة تحفظ تماسك المجتمع، لا مجرد انتقال للمال من مانح إلى محتاج.