صالح الشادي
الحياة في جوهرها ليست سوقاً للصفقات، ولا مضماراً لسباق المصالح الزائلة، لكنها ابتلاء واختبار، وميدان تتجلى فيه معاني الإنسانية الحقيقية التي تعلو على شهوة الجمع والتملك. حين ينحصر تصور الإنسان للوجود في حدود ما يلمسه بيديه، ويحصيه في حساباته، ويختزله في رصيده البنكي، فإنه يفرغ الحياة من روحها، ويحولها إلى مجرد غريزة جامحة، تلبس ثياب الحضارة، وتتزيّن بزخرف القول، لكنها في أعماقها خواء وظلمة.
إن ما نراه اليوم في بعض المجتمعات من انسلاخ عن القيم، ومن تسويف للضمير، ومن تحويل الجهالة إلى مهارات يُتباهى بها، ليس وليد لحظة عابرة، بل هو ثمرة لانقطاع عن جذر الوجود، وعن الحبل المتين الذي يربط الإنسان ببارئه. أولئك الذين جعلوا الغاية تبرر الوسيلة، ورفعوا النجاح المادي إلى مرتبة الوثن، هم في حقيقة أمرهم ضحايا وهمٍ كبير، وهم وهمٌ اختاروه بأيديهم. ليسوا ضحايا فقر مدقع، ولا جهل مطبق، بل هم ضحايا قسوة قلب، غشاه الران، فأصبح لا يبصر النور، ولا يحس بالجمال، ولا يدرك أن هناك سماءً تمطر رحمة، وأرضاً تنبت بركة، وقدراً يسوق الأرزاق دون حيلة ولا مكيدة.
إن تسويغ الكذب تحت مسمى الذكاء، والغيبة تحت مسمى التعبير عن الرأي، وشهادة الزور تحت مسمى التضامن، والنصب تحت مسمى الفن في التعامل، هو قلب للموازين، وتبديل للفطرة. وهذا التحريف في المفاهيم ليس نتيجة عيب في المجتمعات وحدها، ولا نقص في التربية وحدها، بل هو نتيجة انفصام في الشخصية، حيث يعيش الإنسان بوجهين: وجه يظهره للناس، فيتقن عليه أقنعة البراءة والكرم، ووجهاً آخر يخفيه، يعبث فيه بالأخلاقيات ويستهين فيه بالثوابت. ولكن هل يظنون أنهم بخداعهم للخلق يخدعون الخالق؟ أم أنهم نسوا أن الله مطلع على السرائر، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟
الآيات الكونية تشهد بأن الرزق ليس مرهوناً بالمكر، ولا بالاحتيال. يقول الحق سبحانه: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، فأين هم من هذه الحقيقة؟ الرزق مقسوم، والأجل مكتوب، والسعي واجب، لكنه ليس غايةً تبرر السقوط الأخلاقي. حين يغيب هذا الإيمان، يتعاظم الشعور بالخوف والفقر، فيتحول الجشع إلى هوس، والحرص إلى وسواس، وتُستباح كل المحذورات تحت ذريعة البقاء والأولوية. لكن البقاء الحقيقي ليس في تكديس الحطام، بل في بقاء الروح طاهرة، واليد نظيفة، واللسان صادقاً، والقلب معلقاً بالله.
أما مسألة الشرك، فهي ليست فقط عبادة الأصنام الحجرية، بل هي عبادة الأهواء، وعبادة الدرهم والدينار، وعبادة المنصب والجاه. حين يصبح هم الإنسان الأوحد هو إرضاء نفسه، حتى لو على حساب دينه ومبادئه، فقد أشرك بالله، لأن الله أمر بالإخلاص، والنية الصافية، والصدق مع النفس قبل الصدق مع الآخرين. الاستخفاف بالمبادئ، والتساهل في أمر الآخرة، والظن بأن الحياة تنتهي عند الموت، هو الذي يفتح الباب لكل فساد، لأن الإنسان إذا آمن بالحساب والجزاء، استحى من نفسه قبل أن يستحي من الناس، وراقب الله في خلوته كما يراقبه في علانيته.
هؤلاء الذين ماتت مشاعرهم، وتحجرت قلوبهم، لم يصلوا إلى هذه الحالة إلا بعد رحلة طويلة من التمرد على الفطرة، وتكميم للصوت الداخلي الذي ينادي بالخير، وإخماد للجمرة التي أوقدها الله في الضمير. وصاروا كالبهائم بل أضل سبيلاً، لأن البهيمة تتبع غريزتها دون أن تتزيّن بالحجج الواهية، أما هم فيلبسون الباطل ثوب الحق، ويسمون الخيانة خبرة، والغش دهاء، والنفاق لباقة. إنها مأساة إنسانية بامتياز، مأساة من فقد البوصلة، فظل يدور في حلقة مفرغة من العطش الذي لا يرتوي، والجوع الذي لا يشبع.
إن أي مجتمع سيئ ليس إلا مرآة تعكس وجوه أفراده، فإذا فسد الضمير الفردي، تعمم الفساد، وصار القبيح جميلاً، والمنكر معروفاً. لكن التغيير يبدأ من قلب واحد، من نفس واحدة، تعود إلى رشدها، وتستيقظ من غفلتها، وتتذكر أن الله قد خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، وليس أينا أكثر مالاً. عندها تتبدل الرؤية، وتزول الأقنعة، ويعود للصدق رونقه، وللأخلاق بهاؤها، وللحياة معناها العميق، الذي لا يقاس بمساحات البيوت، بل بمساحات القلوب التي اتسعت لله، وللخير، وللناس جميعاً.