أنس تشكالا
حين نرى شجرة، لا نحتاج عادة إلى أن نسأل أنفسنا: ما هذا؟ نعرفها في لحظة، ونمنحها اسمها المألوف، ثم نمضي. وحين نرى بيتًا أو طريقًا أو بحرًا أو طفلًا، تفعل أذهاننا الشيء نفسه؛ نتعرف إلى الأشياء من خلال أسمائها، وكأن الاسم جزء طبيعي من الشيء نفسه. لكن ماذا لو توقفنا لحظة وسألنا: هل نرى الأشياء كما هي فعلًا، أم أننا نراها أيضًا من خلال الأسماء التي تعلمنا أن نطلقها عليها؟
منذ طفولتنا، نتعلم أن هذا «كرسي»، وهذا «باب»، وهذا «كتاب»، وهذا «بحر». ومع كل اسم نتعلمه، لا نحصل على كلمة جديدة في قاموسنا فحسب، بل نتعلم طريقة معينة في جمع الأشياء وتمييزها وتصنيفها. فالاسم لا يصف الشيء فقط، وإنما يضعه في خانة ذهنية إلى جانب أشياء أخرى تشترك معه في بعض الخصائص. وعندما نقول «شجرة»، فإننا لا نشير إلى شجرة واحدة بعينها، بل نستحضر فئة كاملة من الأشياء التي أصبح لها في أذهاننا اسم واحد.
ولهذا تبدو اللغة أحيانًا كأنها خريطة نستخدمها للسير في العالم. والخريطة لا تكون هي المكان نفسه، لكنها تساعدنا على رؤيته وفهمه والتنقل فيه. وكذلك الكلمات؛ ليست هي الأشياء التي تشير إليها، لكنها تمنحنا طريقة لتنظيم تجربتنا معها. وتشير أبحاث في علم النفس واللسانيات المعرفية إلى أن مجرد إطلاق اسم على شيء يمكن أن يؤثر في كيفية تصنيفه وتمييزه، بل قد يمتد أثر التسمية إلى بعض عمليات الإدراك والذاكرة.
ولعل هذا يفسر جانبًا من اختلاف الناس في وصف الشيء نفسه. فقد يرى شخص موقفًا ما «حزمًا»، بينما يراه آخر «قسوة»، وقد يسمي أحدهم تجربة معينة «فشلًا»، ويسميها آخر «محاولة لم تكتمل». الواقعة واحدة، لكن الكلمة التي نضعها عليها تغير الزاوية التي ننظر منها إليها. وحين تتغير التسمية، قد تتغير معها مشاعرنا تجاه الشيء وطريقة تعاملنا معه. ولا يعني ذلك أن اللغة تخدعنا أو أنها تصنع الواقع من العدم. فالعالم موجود خارج الكلمات، والأشياء لا تحتاج إلى أسمائها كي توجد. لكن الإنسان لا يتعامل مع العالم بوصفه مجموعة من الأشياء الخام فقط؛ إنه يصنفها ويفسرها ويمنحها معاني، واللغة واحدة من أهم الأدوات التي تساعده على ذلك.
حتى المشاعر التي نعيشها يمكن أن تكون مثالًا واضحًا. قد نشعر بضيق لا نفهمه، ثم نسمع كلمة تصف حالة قريبة مما نعيشه، فنقول: «هذا ما أشعر به». لم تنشئ الكلمة الشعور، لكنها ساعدتنا على رؤيته بوضوح أكبر. أحيانًا لا نحتاج إلى تجربة جديدة، بل إلى اسم جديد لتجربة قديمة كي نفهمها. وهنا تكمن قوة التسمية وخطورتها في الوقت نفسه. فحين نسمي شخصًا «كسولًا»، قد نتوقف عن البحث عن الأسباب التي جعلته يتصرف بهذه الطريقة. وحين نصف شخصًا بأنه «صعب»، ربما نغلق الباب أمام احتمال أن يكون مختلفًا فقط. وحين نصف أنفسنا بأننا «فاشلون»، قد تتحول الكلمة من وصف عابر إلى صورة نرى أنفسنا من خلالها.
لهذا ليست كل تسمية بريئة تمامًا. الكلمات التي نختارها لوصف الأشخاص والأحداث والتجارب قد تصبح إطارًا ننظر من خلاله إلى الواقع. وقد أظهرت دراسات في العلاقة بين اللغة والإدراك أن الكلمات والتصنيفات اللغوية يمكن أن توجه بعض عمليات الانتباه والتصنيف، وإن كان تأثير اللغة في الإدراك ليس مطلقًا ولا يعمل بالطريقة نفسها في كل الحالات.
وربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى أن نراجع أسماء الأشياء قبل أن نحكم عليها. ليس كل من أخطأ «فاشلًا»، وليس كل من اختلف معنا «عدوًا»، وليس كل تأخر «إهمالًا»، وليس كل صمت «لامبالاة». قد تكون المشكلة أحيانًا في الواقع نفسه، وقد تكون في الكلمة التي اخترناها لوصفه. إننا لا نستطيع أن نعيش بلا أسماء؛ فاللغة تحتاج إلى أن تقسم العالم إلى كلمات وفئات حتى يصبح قابلًا للفهم والتواصل. لكن الوعي باللغة يعني أن ندرك أن الاسم ليس الشيء كله، وأن الكلمة التي نضعها على تجربة ما قد تكشف جانبًا منها وتخفي جوانب أخرى.
وربما كان السؤال الأهم، بعد كل ذلك، ليس: هل نرى الأشياء أم أسماءها؟ بل: هل نتذكر دائمًا أن الاسم الذي نمنحه للشيء ليس الشيء نفسه؟ فبين الواقع واسمه مساحة واسعة، وفي تلك المساحة تتشكل أحيانًا أحكامنا، ومواقفنا، وحتى الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين.