رسيني الرسيني
فائض المدخرات في الدول كان جزءاً من نقاش اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين الأخيرة في مدينة آشفيل الأمريكية، التي وضعت الاستثمار الخاص والنمو في الإنتاجية ضمن أولويات الاقتصاد العالمي، وربطت بين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة والبنية التحتية الرقمية وبين رفع الإنتاجية، في إشارة إلى أن الاقتصادات القادرة على توظيف هذه التقنيات قد تكون من بين من يحدد وتيرة النمو العالمي في السنوات المقبلة. فالسؤال لم يعد فقط أين تذهب المدخرات؟ وإنما أين توجد المشاريع القادرة على استيعاب رأس المال وتحويله إلى إنتاجية ونمو؟
الأرقام تعكس حجم هذا التحول، فسباق الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أكبر سباقات الاستثمار في البنية التحتية في العصر الحديث، حيث تشير تقديرات شركة ماكنزي إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز البيانات قد يقترب من 7 تريليونات دولار حتى 2030م، بينما تجاوز الإنفاق الرأسمالي لخمس من أكبر شركات التقنية 400 مليار دولار في 2025م، وخلف هذه الاستثمارات توجد احتياجات هائلة من الرقائق ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد والطاقة. ولذلك تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف تقريبًا استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بحلول 2030م. وهكذا تنتقل المنافسة تدريجيًا من امتلاك رأس المال إلى امتلاك البيئة القادرة على استضافته والحاجة إلى طاقة موثوقة، وبنية تحتية، وتشريعات، ومواهب، ومراكز الأبحاث.
ومن هنا تظهر فرصة المملكة لتكون إحدى وجهات رأس المال العالمي الجديدة. فالسعودية تدخل هذه المرحلة وهي تجمع بين الطاقة ورأس المال والبنية التحتية والسوق والموقع الجغرافي، بالتزامن مع تحول اقتصادي خلق فرصًا في قطاعات التقنية والصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية. وفي الذكاء الاصطناعي في المملكة يظهر نموذج أكثر وضوحًا، إذ تستهدف شركة هيوماين بناء منظومة متكاملة تمتد من مراكز البيانات والحوسبة السحابية إلى تطوير النماذج والتطبيقات، بما يعزز موقع المملكة كمركز إقليمي وعالمي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي مستفيدة من توفر المزايا الإستراتيجية للمملكة، وتحويل هذه المزايا إلى قاعدة تستضيف جزءًا من الطلب العالمي المتسارع على قدرات الذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن الاستثمار الحكومي وصندوق الاستثمارات العامة مهمة في تأسيس القطاعات وتهيئة الأسواق وتقليل المخاطر الأولية، لكن الهدف الأسمى يبدأ عندما يصبح الاستثمار العام محفزًا لرأس المال الخاص المحلي والأجنبي؛ لأن المستثمر الذي يدرس مشروعًا في الرياض سيقارنه بفرص في نيويورك وشنغهاي وغيرها، وفق العائد والطاقة والتشريعات والمواهب وسهولة ممارسة الأعمال والتخارج. ومن أجل ذلك، تبرز نتائج القطاعات والمشاريع في المرحلة الماضية من رؤية 2030م بصورة مهمة لتحويلها إلى فرص عالمية جاذبة للاستثمار في عالم ينتقل من «فائض المدخرات» إلى «طفرة الاستثمار» كما قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماع آشفيل الأخير.
حسنًا، ثم ماذا؟
في عالم تتسابق فيه الدول على جذب الاستثمارات، ستكون الوجهة الأفضل لرأس المال لمن تستطيع تحويله إلى إنتاجية مستدامة ونمو اقتصادي.