د. ياسين علي محمد عزي
تزداد قيمة القرار الجامعي كلما اتسعت أمام المؤسسة الموارد والصلاحيات والطموحات؛ لأن وفرة الإمكانات لا ترفع القدرة على الإنجاز وحدها، بل ترفع معها مسؤولية الاختيار: ما الذي يستحق أن يتقدم؟ وأين ينبغي أن تتجه الموارد؟ وكيف تعرف الجامعة أن ما اختارته أضاف إلى الإنسان والمعرفة والوطن ما يوازي ما أتيح لها؟ وفي هذا المعنى جاءت إعادة تشكيل مجلس إدارة جامعة الملك سعود، وتكليف صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف برئاسته، في مرحلة وطنية وسعت فيها الدولة الاستثمار في التعليم والبحث والابتكار، ومنحت الجامعات قدرة أكبر على المبادرة، فارتفع معها ما يُنتظر من القرار الجامعي نفسه؛ إذ لم يعد الدعم يُقرأ بحجم ما توفره الدولة للمؤسسة فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الثقة والموارد والصلاحيات إلى معرفة أعمق، وإنسان أقدر، وبحث أكثر أثرًا، وقرارات توازي حجم الطموح الذي تقوده المملكة في تعليمها العالي.
وفي جامعة الملك سعود يختلف وزن السؤال بحجم ما تملكه الجامعة من تاريخ وخبرة وقدرات؛ فجامعة بهذه المكانة، وما تضمه من عقول ومختبرات وبرامج وشراكات، لا تقف قيمتها عند وفرة الإمكانات، بل في الكيفية التي تتحول بها هذه الإمكانات إلى معرفة أكثر نفعًا، وبرامج أوثق صلة بالأولويات الوطنية والعلمية، وبحوث أشد حضورًا في التنمية، وموارد تُحسن الجامعة توجيهها إلى ما يرفع أثرها العلمي والوطني. وهنا لا يصبح التحدي امتلاك المزيد، وإنما حسن الاختيار بين ما هو متاح، وربط عناصر القوة بما يخدم رسالة الجامعة ومكانتها.
وتمنح مسيرة سمو الأمير عبد العزيز بن عياف هذا التكليف خصوصية لافتة؛ فقد عرف جامعة الملك سعود طالبًا وأكاديميًا ورئيسًا لقسم التخطيط العمراني، ثم انتقل من دراسة المدينة إلى المشاركة في تطوير الرياض من خلال عمله في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، قبل أن تتسع مسؤولياته في إدارة المدينة والعمل العام ومجالس المؤسسات. وهذه الخبرة لا تُختصر في تنوع المواقع التي شغلها، بل فيما أتاحته له من ممارسة ممتدة في بيئات تتشابك فيها المعرفة بالتخطيط، والموارد بالأولويات، والقرار بآثاره المتعددة. وهي خبرة ذات قيمة في رئاسة مجلس جامعة بحجم جامعة الملك سعود؛ لأن حسن الاختيار فيها لا يتعلق بجدوى القرار داخل مجاله وحده، بل بمدى اتساقه مع بقية اختيارات الجامعة، وقدرته على الإسهام في اتجاهها العلمي والتنموي والوطني.
وفي مؤسسة بحجم جامعة الملك سعود تزداد قيمة هذا النوع من الخبرة؛ فالمعرفة والصلاحيات موزعة بين كليات ومجالس وبرامج ومراكز ووحدات، والقرارات المهمة لا تُفهم من نطاقها المباشر فقط، بل من آثارها في بقية الجامعة، وفي قدرتها العلمية، وفي علاقتها بالأولويات الوطنية. ولهذا تُعد الجامعة من أكثر المؤسسات تعقيدًا في صناعة القرار؛ لأن المعرفة اللازمة له موزعة بين مستويات متعددة، ولكل مستوى ما يضيفه إلى فهم المسألة. ومن هنا ترتبط جودة الحوكمة بقدرة المؤسسة على جمع هذه المعارف في الوقت المناسب، وتحديد وزن كل منها في القرار، وضمان أن تظل النتيجة النهائية متصلة برسالة الجامعة ومصلحتها العامة.
فمجلس القسم يملك معرفة تخصصية دقيقة، والكلية ترى ما يتجاوز حدود البرنامج، والإدارة التنفيذية تتحمل مسؤولية الموارد والأنظمة والنتائج، بينما يتولى مجلس الإدارة مسؤولية مختلفة تتصل باتجاه المؤسسة، ومخاطر اختياراتها، وما ينبغي تقديمه أو مراجعته أو تأجيله. ومن ثم لا تقوم الحوكمة الرشيدة على نقل القرار من طرف إلى آخر، بل على ضبط العلاقة بين مستويات المعرفة والصلاحية، بحيث يصل كل قرار إلى الجهة الأقدر على فهمه، من غير أن ينفصل عن مصلحة الجامعة بوصفها مؤسسة واحدة.
وتظهر إحدى أدق وظائف الحوكمة عند هذه النقطة؛ إذ ينبغي حماية الجامعة من طرفين متقابلين: أن تتحول الإدارة إلى مصدر وحيد للقرار المعرفي في قضايا لا تملك وحدها خبرتها، أو أن تنغلق الوحدات الأكاديمية على منطقها الداخلي حتى تفقد الجامعة قدرتها على ترتيب أولوياتها. وبين الطرفين تنشأ الحاجة إلى مسار للقرار يحفظ وزن المعرفة التخصصية، ويختبرها بالموارد والبدائل والآثار، ثم يضعها ضمن اتجاه لا يتغير كلما تغير مسؤول أو تبدلت ظروف العمل.
ومن هنا تتضح وظيفة مجلس الإدارة على نحو أدق؛ فهو لا يزاحم رئيس الجامعة وفريقه التنفيذي في إدارة العمل اليومي، ولا يتحول إلى مستوى آخر من الإدارة، وإنما يراجع الأولويات، وينظر في المخاطر، ويختبر العلاقة بين الموارد والغايات، ويتابع ما إذا كانت القرارات الكبرى تخدم ما اختارته الجامعة لنفسها. فالإدارة التنفيذية مطالبة بأن تعمل الجامعة بكفاءة، بينما يحتفظ المجلس بما يسمح له بالنظر خارج متطلبات التشغيل، وألا يكتفي بالسؤال عن إنجاز القرار، بل عن قيمته بعد أن تظهر نتائجه.
لذا يعزز التشكيل الجديد لمجلس إدارة جامعة الملك سعود قدرة المجلس على النظر في القرارات الكبرى من خلال خبرات أكثر تنوعًا؛ فالمقارنة مع تشكيل عام 2023 تشير إلى أن التغير الأبرز لم يكن في عدد الأعضاء بقدر ما كان في نوع الخبرات الحاضرة داخل المجلس، مع تعزيز التمثيل الأكاديمي والمعرفي، وانضمام وزير التعليم وممثل الهيئة الملكية لمدينة الرياض، إلى جانب خبرات في الاتصالات والتقنية، والموارد البشرية، والنقل والخدمات اللوجستية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والصحة، والبحث العلمي، والاستثمار. ولا تأتي قيمة هذا التنوع من مجرد جمع تخصصات مختلفة، بل مما يضيفه إلى المفاضلة نفسها؛ إذ يمكن للقرارات المهمة أن تُدرس من اعتبارات علمية واقتصادية وتقنية وتنموية متعددة قبل اعتمادها.
وتزداد دلالة هذا التنوع حين يُقرأ في ضوء النظام الأساس للجامعة؛ فالنظام يحدد الحد الأدنى لعضوية مجلس الإدارة، من غير أن يربط مقاعده بوزارات أو جهات محددة، فيما تُنظم معايير العضوية وآلية اختيار الأعضاء وفق الضوابط المعتمدة. وهذه المرونة تمنح تشكيل المجلس معنى يتجاوز التمثيل الشكلي، إذ تتيح أن ترتبط خبراته بما تحتاج إليه الجامعة في كل مرحلة. ومع اتساع أعمال جامعة الملك سعود بين التعليم والبحث والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصحة والاستثمار والتنمية الحضرية، تزداد أهمية أن يجتمع في المجلس عمق المعرفة الأكاديمية مع خبرات اقتصادية وتقنية وتنموية، بحيث تُقرأ القرارات الكبرى في سياق أوسع من مطلب السوق وحده، من غير أن تنفصل الجامعة في الوقت نفسه عن التحولات التي ينتظر منها أن تسهم فيها.
ويبرز هنا فارق دقيق في إدارة الجامعات بين سلامة الإجراء وجودة القرار. فقد يستوفي القرار اختصاص الجهة التي أصدرته، ويمر بمراحله النظامية كاملة، ومع ذلك لا تبلغ جودته المستوى ذاته إذا بُني على معلومات غير كافية، أو ضاقت البدائل التي سبقت اختياره، أو لم تُدرس آثاره الأكاديمية والمالية والبشرية بما يناسب أهميته. فالحوكمة لا تنتهي عند التأكد من صحة المسار النظامي؛ الأهم مقدار المعرفة التي سبقت القرار، ونوعية المفاضلة التي أنتجته، وقدرة الجامعة على تقويم نتائجه بعد أن يصبح واقعًا.
وهذه القدرة على الرجوع إلى القرار بعد تنفيذه هي ما يميز المؤسسة التي تدير قراراتها عن المؤسسة التي تتعلم منها. فالقرار الجامعي لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء محضره أو صدور اعتماده؛ إذ تبقى فرضياته وغاياته والمؤشرات التي بُني عليها جزءًا من سجل يمكن للجامعة أن تقارن من خلاله بين ما توقعته وما تحقق فعلًا، وأن تجعل نتائج التجربة مرجعًا للقرارات اللاحقة. ومع استقرار هذا النهج، تظل أسباب الاختيارات ونتائجها حاضرة رغم تغير المسؤولين والمجالس، فتنتقل الخبرة من قرار إلى آخر، وتصبح المراجعة امتدادًا للمعرفة التي صنعتها المؤسسة عن نفسها، لا عودةً إلى نقطة البداية.
أما «أنسنة المدن»، فتضع أمام الجامعة سؤال الغاية قبل وفرة الوسائل؛ فالمدينة لا تُقاس بما أضيف إليها من طرق ومبانٍ وخدمات بقدر ما تُقاس بما أحدثته في حياة الإنسان، فقيمة ما يُنشأ لا تكتمل في وجوده، وإنما في قدرته على تحسين الحياة التي أُنشئ من أجلها.
والجامعة تواجه السؤال نفسه بصيغة مختلفة؛ فالمختبر والبرنامج والكرسي البحثي والطالب والأستاذ لا تكتمل قيمة أيٍّ منها بمجرد وجوده داخل المؤسسة، بل بما تسهم به مجتمعة في إنتاج معرفة نافعة، وبناء قدرة بشرية أعلى، وصناعة أثر يتجاوز أسوار الجامعة. وهكذا يصبح الانتقال من «أنسنة المدينة» إلى «حوكمة المعرفة» انتقالًا في الفكرة لا في المجال؛ إذ تظل الغاية هي التي تمنح الوسائل قيمتها، وتمنع المؤسسة من أن تنشغل بما لديها عن السؤال عمّا تصنعه به.
كما تمنح رئاسة ابن عياف لمجلس أمناء جامعة الأمير سلطان تجربته بعدًا مهمًا في فهم وظيفة المجلس الجامعي وحدودها؛ فالمجلس الفاعل لا يُقاس بمقدار تدخله في التفاصيل، بل بقدرته على إبقاء الأولويات الأكاديمية والاستثمارية والبحثية متصلة برسالة الجامعة ووظيفتها، ومعرفة ما ينبغي أن يبقى في نطاق القرار الإستراتيجي وما ينبغي أن تترك فيه الإدارة التنفيذية تمارس مسؤوليتها كاملة. وفي جامعة بحجم جامعة الملك سعود تصبح هذه الخبرة أكثر أهمية؛ فكثرة البرامج والمراكز والمشروعات والموارد تجعل جودة الاختيار أهم من كثرة الحركة، وتجعل معرفة ما يستحق التقدم، وما يحتاج إلى إعادة بناء، وما ينبغي الحفاظ عليه، جزءًا أصيلًا من مسؤولية المجلس.
ومن هذا المنطلق تظهر دقة الحوكمة على نحو خاص حين يصل القرار إلى البرامج الأكاديمية نفسها؛ ففتح برنامج، أو تعليق القبول فيه، أو دمجه، أو إعادة تصميمه، لا يغير بندًا في الخطة الدراسية فحسب، بل يعيد توزيع جزء من قدرة الجامعة العلمية والبشرية والمالية، ويمس خيارات الطلبة، ومستقبل الأقسام، واستثمارات سابقة في الكفاءات والمختبرات، وما تختار المؤسسة أن تحتفظ به من مجالات المعرفة وما تقرر أن تتوسع فيه. لذلك لا تكفي في هذه القرارات سلامة الإجراء أو سرعة الاستجابة لمؤشر آني؛ فكل قرار من هذا النوع ينبغي أن تسبقه معرفة دقيقة بالطلب، والكلفة، والطاقة العلمية المتاحة، والبدائل الممكنة، والآثار التي قد لا تظهر في سنة القبول التالية، لكنها تظهر لاحقًا في قدرة الجامعة العلمية.
ومن خبرة إدارة الجامعات، لا تُقرأ البرامج منفردة، بل في علاقتها بمجمل البناء الأكاديمي للجامعة وما يتيحه من تعليم، وبحث، وخدمة، وطنية. فقد يكون تخصص محدود الإقبال ضروريًا لبقاء مجال بحثي كامل أو مساندًا لبرامج أخرى، وقد تحتفظ العلوم الأساسية بقيمة إستراتيجية قد تغيب عن مؤشرات التوظيف، في حين قد يستجيب برنامج مرتفع الطلب لحاجة حاضرة سرعان ما تعيد التقنية أو تحولات الاقتصاد تشكيلها. لذلك فإن إدارة البرامج الأكاديمية تحتاج إلى نظر أوسع من أعداد المتقدمين وفرص التوظيف؛ نظر يوازن بين حاجة الاقتصاد، واستمرار المعرفة، والقدرة البحثية، والهوية الثقافية للمجتمع، وما ينبغي للجامعة أن تستعد له قبل أن تفرضه التحولات القادمة.
ولا ينحصر تطوير البرامج الأكاديمية في الاختيار بين استمرار التخصص بصورته القائمة أو إنهائه؛ فكثير من مجالات المعرفة لا تفقد ضرورتها بقدر ما تتغير الصيغة التي ينبغي أن تُدرّس وتُبحث من خلالها. وقد يتراجع الإقبال على برنامج بصورته التقليدية بينما تصبح المعرفة التي يقوم عليها أكثر أهمية إذا أعيد بناؤها في اتصال بالتقنية، أو الذكاء الاصطناعي، أو الاقتصاد الإبداعي، أو احتياجات المجتمع الجديدة. وهنا تكون قدرة الجامعة على إعادة تعريف البرنامج وتجديد محتواه ومساراته وشراكاته أصدق تعبيرًا عن نضجها من الاكتفاء بإبقائه كما كان أو إخراجه من قائمة القبول.
والنقاش الذي صاحب قرارات تعليق القبول أو إعادة تنظيم بعض البرامج في عدد من الجامعات السعودية أظهر أن المسألة أوسع من بقاء تخصص بعينه؛ فالأهم هو الأساس الذي تُبنى عليه هذه القرارات، ومدى وضوح ما تستهدفه الجامعة من إعادة تشكيل برامجها، والبدائل التي سبقت الاختيار والنتائج التي ستُقاس بعده. فالقرار الأكاديمي الكبير يزداد قوة حين يستطيع الطالب والأكاديمي والمجتمع فهم منطقه، وحين تستطيع الجامعة نفسها بعد فترة أن تعود إلى أسبابه ونتائجه لتتحقق مما إذا كان قد أنتج التحسن الذي اتُّخذ من أجله.
وعند هذا المستوى يصبح النقاش متعلقًا بوظيفة الجامعة ذاتها. فصلة البرامج بسوق العمل ضرورة لا خلاف عليها، لكنها لا تختصر القيمة الجامعية كلها في الوظائف المتاحة عند لحظة تصميم البرنامج؛ فالسوق نفسه يتغير تحت أثر التقنية والاستثمار وأنماط الإنتاج الجديدة، بينما يفترض بالجامعة أن تهيئ الإنسان لما هو قائم ولما يتشكل في الوقت نفسه. لهذا تظل قدرتها على بناء أساس معرفي متين، وتنمية قابلية التعلم والتكيف، وإنتاج البحث والابتكار، جزءًا من مسؤوليتها الوطنية؛ فالجامعة لا تستجيب لتحولات الاقتصاد فقط، بل تسهم، حين تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل، في صناعة بعض تلك التحولات.
ومن هنا نجد أن هذا الفهم ينسجم مع روح رؤية المملكة 2030؛ إذ تتعامل الرؤية مع الإنسان والمعرفة والاقتصاد بوصفها عناصر متصلة في مشروع التنمية، لا مسارات متجاورة. ومن ثم فإن مواءمة الجامعة مع سوق العمل لا تعني حصر وظيفتها في الاستجابة لما هو قائم، بل تمكينها من إعداد الإنسان القادر على التعلم والعمل والتحول، وإنتاج المعرفة التي تسبق الحاجة أحيانًا، والبحث الذي يفتح مجالات اقتصادية وعلمية جديدة بدل أن يظل تابعًا لما تفرضه الاحتياجات الراهنة وحدها.
ومع اتساع هذه الوظيفة، يصبح تنوع الخبرات داخل المجلس عاملًا مؤثرًا في مستوى القرار الجامعي؛ فالقضايا المهمة في مؤسسة بهذا الحجم تتجاوز حدود التخصص الواحد. فالأكاديمي يقرأ ما يتعلق بالقيمة العلمية واستمرار الحقل المعرفي، والاقتصادي ينظر في الاستدامة والكلفة والعائد، وخبير الموارد البشرية يتابع تحولات المهارات، فيما تكشف الخبرات التقنية والصحية وغيرها سرعة التغير في مجالات التطبيق. ولا تأتي قيمة هذا التنوع من مجرد حضوره داخل المجلس، بل من قدرته على توسيع مجال المفاضلة امتحان الافتراضات من أكثر من منظور قبل أن تستقر الجامعة على خيار قد يمتد أثره سنوات.
جودة الحوكمة لا تظهر في غياب الخلاف حول القرار، بل في وضوح الأساس الذي استند إليه، وفي مقدار ما سبقه من معرفة وفحص للبدائل، وفي وجود معايير تسمح لاحقًا بالحكم على نتائجه. فالقرار الجامعي الرصين يظل قابلًا للتفسير والمراجعة والتقويم؛ تُعرف أسبابه، وتُفهم المفاضلات التي سبقته، ويمكن العودة إليه حين تكشف التجربة ما يستدعي التصحيح أو إعادة التقدير. وبهذا تصبح المراجعة علامة على قدرة المؤسسة على التعلم، لا إقرارًا بضعف القرار.
وإذا كانت جامعة الملك سعود، بما لها من خبرة أكاديمية ومكانة مؤسسية، قد اتجهت إلى مجلس يضم خبرات متنوعة تسهم في قراراتها الكبرى، فإن الجامعات الناشئة أو الحديثة نسبيًا قد تكون أحوج إلى هذا النوع من الحوكمة منذ مراحلها الأولى؛ لأن القرارات التي تتخذها في بداياتها لا تقتصر آثارها على برنامج أو شراكة أو مورد بعينه، بل تسهم في تشكيل الطريقة التي ستتعامل بها الجامعة لاحقًا مع أولوياتها واختياراتها. وما يبدأ قرارًا منفردًا قد يتحول مع الزمن إلى ممارسة مستقرة، ثم إلى أسلوب يصعب مراجعته إذا لم تتوافر منذ البداية آليات واضحة للفحص والمراجعة وقياس النتائج.
وفي الجامعات الراسخة يأتي القرار غالبًا داخل سياق مؤسسي سبق أن تشكل واختُبر، أما في الجامعات الناشئة فقد يسهم القرار نفسه في رسم ذلك السياق. ولهذا لا تتصل قيمة الحوكمة فيها بتحسين قرار آني فقط، بل ببناء طريقة أكثر رسوخًا لصناعة القرار؛ طريقة تستفيد من تنوع الخبرات، وتوازن بين البدائل، وتربط توزيع الموارد بالرسالة الأكاديمية والتنموية للجامعة، وتسمح بمراجعة ما تم اختياره حين تكشف النتائج ما يستحق إعادة التقدير.
ومن هذه الزاوية، فإن التوسع في إسناد الجامعات إلى مجالس إدارة أو أمناء فاعلة، بحسب ما يقرره الإطار النظامي لكل مؤسسة، لا يمثل عبئًا إضافيًا على إدارات الجامعات، بل ينسجم مع توجه الدولة نحو مزيد من التمكين المؤسسي ورفع كفاءة القرار وتعظيم أثر الاستثمار في التعليم والبحث والإنسان. فكلما اتسعت مسؤولية الجامعة عن مواردها وبرامجها وشراكاتها، ازدادت حاجتها إلى مستوى حوكمي يضيف إلى الإدارة التنفيذية خبرات أوسع، ويضمن أن تبقى القرارات الكبرى مرتبطة برسالة الجامعة ومصلحة الطالب والوطن. وليس المقصود توحيد نماذج الجامعات أو استنساخ تجربة جامعة الملك سعود، وإنما ترسيخ مبدأ أن الاستقلال والتمكين يزدادان قيمة حين يصاحبهما مجلس قادر على مساءلة البدائل وقياس الأثر ودعم الإدارة في اتخاذ قرارات أكثر جودة واستدامة.
ويكتمل هذا التصور داخل المسار الذي تقوده الدولة في تمكين الجامعات وتوسيع الاستثمار في الإنسان والبحث والابتكار؛ فكل صلاحية إضافية وكل مورد جديد يرفعان في المقابل مسؤولية الجامعة عن جودة الاختيار ووضوح الأثر. والاستقلال الجامعي يزداد قيمة حين تتسع معه قدرة المؤسسة على تفسير اختياراتها وتقويم نتائجها والعودة إلى قراراتها كلما كشفت التجربة ما يستحق المراجعة. هكذا لا تقف الحوكمة خارج الدعم الذي تمنحه القيادة لجامعات الوطن، بل تحفظ قيمته وتعين المؤسسة على تحويله إلى نتائج توازي ما وضع فيها من ثقة وطموح.
وتمنح صلة جامعة الملك سعود بالرياض هذا التصور امتدادًا مهمًا، ولا سيما مع حضور ممثل الهيئة الملكية لمدينة الرياض في التشكيل الجديد للمجلس. فالجامعة تعمل في مدينة تتغير بوتيرة متسارعة، وما تشهده الرياض في النقل والعمران والصحة والتقنية والطاقة وجودة الحياة يفتح أمام الجامعة مجالًا واسعًا للبحث التطبيقي والتطوير والابتكار، كما يتيح للمدينة الإفادة من المعرفة الأكاديمية في بناء السياسات ورفع كفاءة المشروعات وقياس نتائجها.
وحين تصبح هذه الصلة جزءًا من طريقة العمل، تتصل أولويات المدينة بالبحث، وتتصل نتائج البحث بالسياسات والخدمات والمشروعات، وتدخل المعرفة في صناعة القرار الحضري لا في تفسيره بعد وقوعه. وهنا تتصل خبرة ابن عياف في تطوير الرياض بدوره الجديد على نحو أكثر وضوحًا؛ فهو يعرف المدينة من داخل مشروعها التنموي، ويعرف الجامعة من داخلها الأكاديمي، ويأتي إلى مجلس يجمع الجامعة والمدينة في مرحلة تتطلب اتصالًا أوثق بين المعرفة والتنمية.
وعند هذا المستوى لا تعود البحوث وبراءات الاختراع ومواقع التصنيفات غايات تستنفد معنى الجامعة، مع بقاء أهميتها في قياس جوانب من أدائها؛ إذ يبقى الأهم ما أضافته المعرفة إلى الإنسان والاقتصاد والمجتمع، وما الذي تغير لأن بحثًا أُنجز، أو تقنية طُورت، أو كفاءة أُعدت. فالجامعة المتقدمة لا تتميز بكثرة ما تنتجه فقط، وإنما بحسن اختيار ما توجه إليه علمها ومواردها، ثم بقدرتها على تتبع أثر ذلك الاختيار بعد أن يغادر المختبر وقاعة الدرس.
وعلى هذا الأساس تتضح أهمية اختيار الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف لرئاسة مجلس إدارة جامعة الملك سعود؛ فمسيرته جمعت الجامعة والتخطيط الحضري والإدارة والعمل المؤسسي ومجالس الجامعات، وهي خبرات تتصل بما تحتاجه جامعة تتسع أمامها الخيارات وتتضاعف مسؤوليتها عن حسن الاختيار بينها. فالمطلوب لم يعد إدارة ما هو قائم بكفاءة وحدها، وإنما معرفة ما يستحق أن يتقدم، وما يحتاج إلى إعادة بناء، وما ينبغي المحافظة عليه لأن قيمته العلمية أو الوطنية تتجاوز العائد القريب.
في هذه المرحلة يلتقي تطوير الحوكمة الجامعية مع المسار الذي اختارته الدولة لجامعاتها؛ فقيادة وسعت الاستثمار في التعليم والبحث والابتكار، ومنحت المؤسسات مساحة أكبر للمبادرة، إنما رفعت معها قيمة القرار الذي تصنعه الجامعة ومسؤوليتها عن أثره. فالتمكين لا يستمد قيمته من اتساع الصلاحية وحده، وإنما من جودة ما يُصنع بها، كما أن الدعم لا يُقاس بحجمه فقط، بل بما يضيفه إلى الإنسان والمعرفة والتنمية.
إذا كانت «أنسنة المدينة» قد جعلت الإنسان غاية لما يُصنع في المكان، فإن «حوكمة المعرفة» تعيد الغاية نفسها إلى الجامعة؛ فلا تكفي كثرة البرامج والمشروعات والموارد ما لم تعرف المؤسسة أيها أولى، ولماذا، وما الذي أضافه اختيارها بعد أن أصبح واقعًا. ولعل ما يجري في جامعة الملك سعود يضع أمام التعليم العالي السعودي سؤالًا يتجاوز تشكيل مجلس بعينه إلى مستوى الحوكمة الذي يليق بما تمنحه القيادة لجامعات الوطن من ثقة وموارد وطموح. وبعد الأرقام والتصنيفات والمنجزات كلها، يبقى السؤال الذي تختبر به الجامعة قيمة ما لديها:
ما الذي استطاعت الجامعة أن تصنعه بكل ما تملك؟
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي