م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - شهدت البنية الاجتماعية والإدارية في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة في مفهوم المكانة ومصادرها، وفي العلاقة بين المكانة الاجتماعية والمكانة الرسمية.. وإذا كان الوصول إلى المكانة الرسمية في مراحل سابقة يتأثر، بدرجات متفاوتة، بالمكانة الاجتماعية من وجاهة واتساع شبكة علاقات، فإن المعادلة اليوم تبدو مختلفة؛ إذ أصبحت الكفاءة والقدرة على الإنجاز وصناعة الأثر عوامل أكثر حضوراً في تحديد من يتقدم ومن يستمر ومن يكتسب مكانة الأسرة.
2 - لفترة طويلة، كانت المكانة الاجتماعية تمثل رصيداً مهماً في الحياة العامة؛ فالنسب، والمكانة العائلية، والحضور المجتمعي، والعلاقات الواسعة، كانت تمنح صاحبها قدراً من الاعتبار والثقة، وقد تفتح له أبواباً يصعب على غيره الوصول إليها.. ولم يكن ذلك بالضرورة قاعدة مكتوبة أو معياراً معلناً، لكنه كان جزءاً من ثقافة اجتماعية تعرف قيمة الاسم والمكانة والعلاقات، وتتعامل معها باعتبارها مؤشرات على أهلية صاحبها للحضور والتأثير.
3 - ومع التحولات التي شهدتها المملكة، ولا سيما منذ إطلاق «رؤية السعودية 2030»، بدأت معادلة المكانة تتغير بصورة أكثر وضوحاً.. لم تعد المكانة الرسمية مجرد انعكاس لمكانة اجتماعية سابقة، بل أصبحت طريقاً إلى صناعة مكانة اجتماعية جديدة.. فالمسؤول الذي يتولى قيادة مشروع وطني، أو يدير مؤسسة، أو ينجح في تنفيذ برنامج، أو يحقق تحولاً ملموساً في قطاعه، يستطيع أن يبني لنفسه رصيداً اجتماعياً جديداً مصدره العمل والإنجاز.. لقد أصبح المنصب، في هذه الحالة، وسيلة لإثبات الذات لا مجرد تتويج لمكانة سابقة.
4 - وهذا يقود إلى معيار ثالث أكثر أهمية، هو «الكفاءة».. فالموقع الرسمي لم يعد وحده هو المهم، بل أصبحت قدرة صاحبه على إدارة الموقع وتحقيق أهدافه هي التي تمنحه القيمة الحقيقية.. ولذلك برزت مفاهيم الأداء، والحوكمة، والمؤشرات، والنتائج، وسرعة التنفيذ، وجودة القرار، والقدرة على إدارة الموارد والمخاطر، بوصفها عناصر أساسية في تقييم المسؤول والمؤسسة معاً.
5 - ولعل أحد أهم التحولات في هذه المرحلة أن المنصب لم يعد بالضرورة ضمانة لصاحبه، بل أصبح اختباراً له.. فالوصول إلى الموقع القيادي قد يكون بداية التقييم لا نهايته؛ إذ تضع المسؤولية صاحبها أمام نتائج يمكن قياسها، وأهداف يمكن مقارنتها، ومشروعات يمكن الحكم على نجاحها أو تعثرها.. وبذلك انتقلنا تدريجياً من ثقافة «الوصول» إلى ثقافة «ماذا فعلت بعد الوصول؟».
6 - وقد انعكس ذلك بصورة واضحة على فرص الأجيال الجديدة، خصوصاً الكفاءات الشابة التي لم تعد مضطرة بالضرورة إلى انتظار سنوات طويلة حتى تصل إلى مواقع التأثير.. فحين تصبح المهارة والقدرة على الإنجاز والمعرفة والتخصص عناصر حاسمة، تتسع مساحة المنافسة أمام أشخاص قد لا يمتلكون الرصيد الاجتماعي التقليدي، لكنهم يمتلكون ما هو أكثر أهمية في بيئة العمل الحديثة: القدرة على صناعة النتائج.
7 - هذه المعادلة الجديدة لا تلغي المكانة الاجتماعية، وإنما تعيد بناءها على أساس مختلف.. فالوجاهة لا تختفي، لكنها لم تعد بالضرورة نقطة البداية؛ فقد تصبح نتيجة.. والكفاءة لا تمنح صاحبها المنصب فقط، بل قد تمنحه بعد ذلك حضوراً اجتماعياً واحتراماً وثقة لم يكن يمتلكها قبل أن يثبت نفسه في ميدان العمل.
8 - من هنا يمكن القول إننا أمام انتقال تدريجي من «المكانة الموروثة» إلى «المكانة المكتسبة»، ومن الاعتبار المرتبط بالاسم إلى الاعتبار المرتبط بالأثر، ومن المنصب بوصفه وجاهة إلى المنصب بوصفه مسؤولية.. وهذا التحول يتسق مع بناء دولة المؤسسات التي يصبح فيها معيار التقدم هو القدرة على أداء الدور وتحقيق النتائج، لا مجرد امتلاك الرصيد الاجتماعي الذي يسبق صاحب الدور.
9 - ولعل أجمل ما في هذه المعادلة الجديدة أنها تفتح الباب أمام تعريف أكثر عدالة للمنافسة: أن يكون الإنسان قادراً على أن يصنع مكانته بيده، وأن يتحول الإنجاز إلى بطاقة تعريف، والكفاءة إلى رأس مال، والأثر إلى مصدر احترام.. فالإنسان الذي يصل إلى موقعه بكفاءته، ثم يثبت جدارته بإنجازه، لا يحتاج إلى أن يستند طويلاً إلى وجاهة سابقة؛ لأن عمله نفسه يصبح وجاهته.
10 - وربما يكون السؤال الأهم في نهاية هذا التحول: هل نحن أمام تغيير في آليات اختيار المسؤولين فقط، أم أمام إعادة تعريف أوسع لمفهوم المكانة الاجتماعية نفسها؟ فإذا أصبحت الكفاءة طريقاً إلى المسؤولية، وأصبح الإنجاز طريقاً إلى الاحترام، فإن المجتمع يكون قد انتقل خطوة مهمة من تقدير الإنسان لما يمثله اسمه إلى تقديره لما يمثله أثره.