محمد بن عبدالله آل شملان
في تاريخ الأمم والشعوب، تمر شخصيات عابرة لا تترك وراءها سوى بضعة أسطر في كتب التاريخ، بينما تحفر شخصيات أخرى أسماءها عميقاً في وجدان الناس وقلوبهم، بنبل المواقف، وعظيم العطاء، وفيض الإنسانية.
من بين هؤلاء الذين تسللوا إلى قلوب أبناء الوطن وعاشوا فيها حبّاً وتقديراً، يبرز اسم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة الرياض.
إن الحديث عن الأمير فيصل بن بندر ليس مجرد سرد لسيرة مسؤول تقلد مناصب رفيعة، بل هو إبحار في قصة عشق متبادل، وترنيمة وفاء يعزفها كل من اقترب من سموه أو لمس أثر عمله. فما الذي جعل هذا الأمير تحديداً يسكن القلوب؟ وكيف تحول اسمه إلى مرادف للمحبة والتقدير؟
أولى ركائز هذا الحب العفوي تنبع من تلك السياسة المفتوحة التي انتهجها الأمير فيصل بن بندر طوال مسيرته العملية، سواء أكان ذلك خلال توليه إمارة منطقة القصيم لسنوات طويلة، أو إمارة منطقة الرياض. لم تكن أبواب مكتبه يوماً مجرد حاجز إداري، بل كانت دائماً مشرعة أمام الصغير قبل الكبير، والضعيف قبل القوي.
حين يدخل المواطن إلى مجلس الأمير فيصل بن بندر، يزول هيب الفوارق بابتسامة سموه الصادقة وترحيبه الحار. هو لا يستمع فقط، بل ينصت بكل جوارحه، ويميل برأسه ليسمع حاجة المسن، ويطبطب على كتف المكلوم، ويواسيه بكلمات تخرج من القلب لتستقر في القلب. هذه الإنسانية الفطرية جعلت الناس يشعرون بأنهم لا يقابلون مسؤولاً رسمياً، بل يلتقون بأب حانٍ، وأخ أكبر يهمّه ما يهمّهم، ويؤلمه ما يؤلمهم.
من يعش بالقرب من الأمير فيصل بن بندر يدرك فوراً أنه يمثل امتداداً حياً للمدرسة السيرة السعودية الأصيلة، القائمة على التواضع الجم والارتباط الوثيق بالأرض والإنسان. هذا الأمير الذي يحمل إرثاً تاريخياً عريقاً، تجده في المناسبات العامة والخاصة بين أفراد مجتمعه، يشاركهم أفراحهم ويقاسمهم أتراحهم، متجرداً من بريق المظاهر.
لقد أحب الناس فيه هذا التواضع غير المتكلف؛ تجده يقف في العزاء معزياً كفرد من أفراد العائلة، وتراه في محافل التكريم محفزاً للشباب كأب يفخر بأبنائه. لم يزده الكرسي إلا رغبة في الخدمة، ولم تزدْه المسؤولية إلا اقتراباً من البسطاء، ومن هنا تولدت تلك الرابطة العاطفية المتينة التي جعلت صورته في الأذهان صورة المسؤول القريب، لا البعيد.
إن الحب لا يولد من فراغ، والناس بفطرتهم يحبون من يخلص في خدمتهم ويسهر على راحتهم. والأمير فيصل بن بندر رجل دولة من الطراز الرفيع، نذر وقته وجهده لنهضة المناطق التي تولى إمارتها. بصماته في التنمية الإدارية والاجتماعية والعمرانية في القصيم والرياض شاهدة على فكر ثاقب وإرادة لا تلين.
كان ولا يزال يتابع أدق التفاصيل، ويخرج للميدان بنفسه، يقف على المشاريع، ويوجه بتذليل العقبات، مؤمناً بأن الأمانة التي حُمِّل إياها من قِبل القيادة الرشيدة تتطلب عملاً دؤوباً لا يعرف التوقف. هذا الإخلاص الصامت، والعمل المستمر لأجل رفعة الوطن وراحة المواطن، زرع في نفوس الناس احتراماً عميقاً تحول مع الأيام إلى حب جارف، لأنهم رأوا فيه تجسيداً حياً للمسؤول الذي يفي بوعده ويخلص لعهده.
في السير الإنسانية العظيمة، تبقى مواقف «جبر الخواطر» هي الأكثر خلوداً، وللأمير فيصل بن بندر سجل حافل بالمواقف الإنسانية التي لم تسجلها كاميرات الإعلام، لكنها حُفظت في صدور أصحابها. كم من ضائقة فرجها بعد الله، وكم من يد حانية امتدت لتمسح دمعة يتيم، وكم من شفاعة حسنة قدمها لإصلاح ذات البين وسعياً في عتق الرقاب ونشر التسامح.
إن إيمان سموه اللامحدود بالعمل الخيري ودعمه المستمر للجمعيات الإنسانية ورعايته لذوي الإعاقة والأيتام، نابعة من قلب مفعم بالرحمة. فالناس لا يحبون القائد لشدته، وإنما يلتفون حوله لرحمته ولطفه، والأمير فيصل بن بندر ملك قلوبهم برحمته وسعيه الدائم لرسم الابتسامة على وجوه المحتاجين والمكلومين.
إن الإجابة عن سؤال «لماذا أحب الناس الأمير فيصل بن بندر؟» لا تختصرها الكلمات، بل تختصرها تلك النظرات المليئة بالفخر والامتنان في عيون المواطنين، والدعوات الصادقة التي تلهج بها الألسن في ظهر الغيب لسموه الكريم.
لقد استطاع الأمير فيصل بن بندر أن يثبت من خلال خدمته لوطنه لأكثر من خمسين عاماً، منها أحد عشر عاماً في إمارة منطقة الرياض، أن الإمارة الحقيقية هي إمارة القلوب، وأن نجاح المسؤول الناجحة يرتكز على الحب والاحترام المتبادل.
ستبقى سيرة سموه العطرة فصلاً مجيداً في كتاب الوطن، تروي للأجيال كيف يمكن للمسؤول أن يجمع بين هيبة القيادة ولين الجانب، وكيف يغدو الأمير محبوباً وشعبياً ورمزاً للوفاء الإنساني النبيل.