د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
ومن هنا أيضًا يمكن فهم فلسفة تشو في مكافحة الفساد. فالفساد، في منظور الدولة الحديثة، ليس مجرد مخالفة أخلاقية أو جريمة مالية؛ إنه تشوه مؤسسي يقتل الإنتاجية ويقوض العدالة ويشوه السوق ويهدم الثقة. عندما يحصل المقاول غير الكفء على مشروع لأنه يمتلك علاقة بمسؤول، فإن الدولة لا تخسر المال فقط، وإنما تخسر جودة المشروع وثقة المستثمرين وفرصة الشركة النزيهة. وحين يتقدم الموظف بالمحسوبية بدل الكفاءة، تتآكل الإدارة. وحين يصبح القانون قابلًا للبيع، تتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى سوق للمصالح الخاصة. ولذلك فإن مكافحة الفساد ليست ترفًا أخلاقيًا، بل سياسة تنموية وأمن اقتصادي واستثمار في المستقبل.
ومع ذلك، فإن تجربة تشو تقودنا إلى نتيجة أكثر عمقًا: لا يستطيع رجل واحد أن يهزم الفساد إلى الأبد. قد يستطيع القائد الشجاع أن يفرض الصرامة لفترة، لكنه إذا لم تتحول الإرادة السياسية إلى مؤسسات وقواعد وإجراءات، فإن الفساد قد يعود بعد غياب الرجل. ولذلك فإن مكافحة الفساد المستدامة تتطلب قضاءً فعالًا، وأجهزة رقابة ذات قدرة حقيقية، وشفافية مالية، ومشتريات حكومية قابلة للتدقيق، ونظمًا واضحة لتعارض المصالح، ورقمنة للإجراءات، وتدفقًا منظمًا للمعلومات، ومساءلة لا تستثني أصحاب النفوذ. وهنا يتحول الإصلاح من بطولة فردية إلى هندسة مؤسسية.
إن السؤال الأكثر ذكاءً في مكافحة الفساد ليس: (من الفاسد؟) فقط، وإنما: (ما الذي يجعل الفساد ممكنًا ومربحًا؟) فإذا كانت المعاملة تحتاج عشر توقيعات، والموظف يمتلك سلطة تقديرية واسعة، والبيانات غير متاحة، والرقابة ضعيفة، فإن البيئة نفسها تنتج فرصًا للفساد. أما إذا تحولت المعاملات إلى منصات رقمية، وأصبحت المشتريات الحكومية قابلة للتتبع، وحددت المسؤوليات بدقة، ونشرت البيانات الضرورية، وارتفعت احتمالات اكتشاف المخالفة، فإن الدولة تقلل من فرص الفساد قبل وقوعه. وهنا تصبح الحكومة الرقمية أداة للحوكمة والنزاهة، لا مجرد تحديث تقني.
وإذا كانت الرقمنة قد مثلت مرحلة متقدمة في تقليص فرص الفساد ورفع كفاءة الإدارة، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة أكثر عمقًا؛ إذ لم تعد المسألة مجرد تحويل المعاملة الورقية إلى معاملة إلكترونية، وإنما الانتقال من الحكومة الرقمية إلى الدولة الذكية القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، ورصد المخاطر المالية والإدارية، والتنبؤ بالاختلالات قبل تحولها إلى أزمات. ومن هذه الزاوية يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في مكافحة الفساد، لا لأنه يحل محل الإنسان في الرقابة، وإنما لأنه يرفع قدرة المؤسسات على اكتشاف التناقضات والعمليات المشبوهة وتضارب المصالح والإنفاق غير المعتاد، ويجعل القرار العام أكثر اعتمادًا على البيانات وأقل تعرضًا للتقدير الشخصي غير المنضبط. غير أن هذه القوة التقنية تفرض في المقابل شرطًا مؤسسيًا لا يقل أهمية: لا قيمة للذكاء الاصطناعي إذا كانت البيانات فاسدة، أو المؤسسات ضعيفة، أو قواعد المساءلة غائبة؛ فالذكاء الاصطناعي قد يكشف الخلل، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح المؤسسة التي تنتج الخلل. ومن هنا ينتقل درس تشو من مكافحة الفساد بالأدوات التقليدية إلى سؤال الدولة الحديثة: كيف نحول التكنولوجيا من أداة لزيادة قدرة الحكومة إلى أداة لزيادة نزاهة الدولة وكفاءتها وقدرتها التنافسية؟ وهنا يلتقي إرث الإصلاح الاقتصادي الصيني مع معركة القرن الحادي والعشرين: من يملك البيانات، والقدرة الحاسوبية، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والكوادر القادرة على توظيفها، يمتلك جزءًا متزايدًا من القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدولة.
أما الدرس الاقتصادي الأعمق، فهو أن التنمية لا يمكن أن تقوم على الاستهلاك وحده ولا على الريع وحده. الدول تصبح قوية عندما تستطيع إنتاج القيمة، وتطوير المهارات، وتصنيع الموارد، وتوطين التكنولوجيا، وخلق شركات قادرة على المنافسة خارج حدودها. وقد أدركت الصين أن العمالة الرخيصة يمكن أن تكون نقطة انطلاق، لكنها لا يمكن أن تكون استراتيجية أبدية؛ فمع ارتفاع الأجور وتغير الأسواق، لا بد من الانتقال إلى الأتمتة والابتكار والبحث العلمي والصناعات المتقدمة. ولذلك أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والمركبات الكهربائية والاتصالات والصناعات الدقيقة جزءًا من المعركة الصينية على مستقبل الاقتصاد العالمي.
وهذه الحقيقة تحمل رسالة شديدة الأهمية للعالم العربي: الثروة الطبيعية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة وطنية. النفط والغاز والمعادن والموانئ والمواقع الجغرافية كلها موارد مهمة، لكنها تصبح قوة استراتيجية حين تتحول إلى صناعة ومعرفة وتكنولوجيا ورأس م ال بشري. الدولة التي تبيع خامها وتستورد المنتج النهائي تظل في موقع أضعف من الدولة التي تنتج وتصدر وتملك المعرفة. ومن هنا ينبغي أن تتحول الثروة النفطية العربية من غاية إلى وسيلة؛ من إيراد استهلاكي إلى رأس مال تنموي يبني المدارس النموذجية والجامعات المتميزة أكاديميًا ومراكز الأبحاث العلمية الرصينة والمختبرات والموانئ والصناعات وسلاسل القيمة والتكنولوجيا.
ولا يعني الاستفادة من التجربة الصينية نسخ النظام الصيني أو استنساخ مؤسساته؛ فلكل مجتمع تاريخه وبنيته السياسية والثقافية والديموغرافية. كما أن التجربة الصينية نفسها ليست نموذجًا كاملًا بلا تكاليف أو تناقضات. فقد خلقت إصلاحات تشو معدلات نمو واندماجًا عالميًا هائلين، لكنها ساهمت كذلك في اختلالات ظهرت لاحقًا في المالية المحلية، والاعتماد على الصادرات والاستثمار والعقار، وهي تحديات لا تزال مطروحة أمام الاقتصاد الصيني. ولذلك فإن القراءة الأكاديمية الصحيحة لا تقوم على تمجيد التجربة ولا رفضها، بل على تفكيك آليات نجاحها وتكاليفها وحدودها واستخلاص ما يمكن تكييفه مع بيئات أخرى.
ومن أهم ما ينبغي أن تتعلمه الدول العربية من المسار الصيني أن التنمية تحتاج إلى رؤية تتجاوز عمر الحكومات. فالموانئ والسكك الحديدية والجامعات والصناعات الاستراتيجية ومراكز البحث العلمي لا تُبنى في دورة سياسية قصيرة، والتكنولوجيا لا تُنتج بقرار إداري، ورأس المال البشري لا يتشكل في سنوات قليلة. التنمية مشروع تاريخي يحتاج إلى استمرارية، وإلى أهداف تمتد لعشرين وثلاثين عامًا، وإلى مؤسسات قادرة على تنفيذ الخطط بصرف النظر عن تغير الأشخاص. ولذلك فإن الدولة التي تريد المستقبل تحتاج إلى بناء مؤسسات أقوى من الأفراد، وسياسات أطول عمرًا من الحكومات.
والإنسان هو الحلقة المركزية في هذه المعادلة كلها. فالصين لم تتحول إلى قوة صناعية بسبب ضخامة سكانها وحدها، وإنما بسبب قدرتها التدريجية على تحويل جزء هائل من كتلتها السكانية إلى قوة إنتاجية وتعليمية وصناعية وتكنولوجية. وهذه قاعدة عالمية: السكان يمكن أن يكونوا قوة أو عبئًا بحسب قدرة الدولة على تحويلهم إلى رأس مال بشري. ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم والعلوم والهندسة والتدريب المهني والبحث العلمي ليس إنفاقًا اجتماعيًا فقط، وإنما استثمار مباشر في الأمن الاقتصادي والقومي.
لقد رحل تشو رونغجي، لكن إرثه بقي موضوعًا للجدل؛ فهناك من يراه أحد أكثر رجال الاقتصاد تأثيرًا في صعود الصين، وهناك من يُذَكِّر بالتكاليف الاجتماعية والاختلالات التي خلفتها بعض إصلاحاته. وهذه الثنائية هي بالضبط ما يجعل تجربته جديرة بالدراسة الأكاديمية. فالتاريخ لا يصنعه الملائكة، ولا يكتبه النجاح وحده؛ بل تصنعه القرارات التي تتخذ في ظروف صعبة، والبدائل التي تُرفض، والتكاليف التي تُدفع، والنتائج التي تظهر بعد عقود. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن تشو كان رجل إصلاح أكثر منه رجل إجماع؛ وهذه صفة تجعل تجربته أكثر أهمية للباحثين لا أقل.
وفي الخلاصة، فإن القيمة الحقيقية لعبارة (مائة نعش) ليست في الموت، وإنما في المسؤولية أمام التاريخ؛ فالنعش الواحد الذي قيل إنه أعده لنفسه يرمز، في القراءة الفلسفية، إلى استعداد رجل الدولة لأن يضع نفسه تحت سلطة المبدأ الذي يطالب الآخرين بالخضوع له. أما النعوش التسعة والتسعون، فالأجدر أن نفهمها رمزيًا باعتبارها موجهة إلى ثقافة الفساد والإفلات من العقاب، لا إلى الأشخاص وحدهم. لقد أظهر مسار تشو رونغجي أن الإصلاح الاقتصادي يمكن أن يصبح مشروع قوة وطنية، وأن الانفتاح التجاري يمكن أن يتحول إلى منصة للصعود الصناعي، وأن الانضباط المالي يمكن أن يعزز قدرة الدولة، وأن مكافحة الفساد يمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية التنمية، وأن الصناعة والتكنولوجيا والمعرفة هي الأساس الأعمق للاستقلال الاستراتيجي. ومن هنا فإن الدرس الذي يتجاوز الصين إلى العالم العربي والعالم كله هو أن الدولة التي تريد مستقبلًا قويًا يجب أن تحول مواردها إلى إنتاج، وإنتاجها إلى معرفة، ومعرفتها إلى تكنولوجيا، وتكنولوجيتها إلى قوة تنافسية، وقوتها الاقتصادية إلى استقلال استراتيجي؛ وأن تبني مؤسسات تجعل القانون أقوى من المصالح، والكفاءة أعلى من المحسوبية، وال مص لحة العامة أسبق من الامتياز الخاص. فالأشخاص يرحلون، والحكومات تتغير، والأنظمة تتبدل، لكن المؤسسات التي تُبنى بوعي، والمعرفة التي تُنتج بجدية، والقدرة التي تُراكم عبر الأجيال، هي التي تصنع المستقبل. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يتسع هذا الدرس أكثر: فالدولة التي لا تبني مؤسسات نزيهة، ورأس مال بشريًا عالي الكفاءة، وقدرة علمية وتقنية مستقلة، لن تستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة وطنية، مهما امتلكت من موارد طبيعية أو مالية. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي بقي من تجربة تشو رونغجي: ليس المهم كم نعشًا أعددت لمواجهة الفساد، بل كم مؤسسة قوية تركت خلفك بحيث لا تحتاج الدولة بعد رحيلك إلى نعش واحد جديد لإنقاذها من الفساد.
** **
- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ