د. أماني بنت خلف الغامدي
يقال إن الناس يموتون مرتين مرة حين تفارق أرواحهم أجسادهم، ومرة حين تنسى أسماؤهم وكأنهم لم يكونوا وبين الموتتين مسافة يصنعها الإنسان بنفسه وهي الأثر. والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان لماذا يترك بعض البشر الأثر؟ هل لأنهم أدركوا أن العمر قصير؟
ولأن الانسان ليس جمادا يعيش لنفسه فقط والفرد المسلم لم يخلق ليأكل ويشرب وينام ثم يُطوى كتابه بلا عنوان.
بل خلق ليُعبد الله وليعمِر الأرض. ليُضيف لمجتمعه ويرفع قيمة من حوله ويترك العالم بعده أفضل مما كان قبله. والأثر هو جواز سفر المسلم للآخرة وهو الصدقة الجارية، والعلم الذي يُنتفع به، والولد الصالح، والكلمة الطيبة التي قد تحي قلبا وتترك أثراً.
وهذا ما يعكسه ديننا الحنيف ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» وفي آخر الزمان، حين يظن الناس أن لا أمل، يأتي التوجيه النبوي العميق فتأمل معي الساعة قامت! والنهاية الحتمية لكل المخلوقات!
ومع ذلك يأتي التوجيه النبوي اغرس لأن رسالة المؤمن لا تنتهي باليأس ولأن قيمة العمل ليست في أن ترى نتيجته، بل في أنك كنت سبباً لأنك مسؤول عن البذرة، لا عن الثمرة وعن السعي، لا عن النتيجة.
فمن يغرس الفسيلة اليوم قد يأكل منها من يعمر الأرض بعد عقود وقد يستظل بها عابر سبيل لا تعرفه وقد تكون هي العمل الوحيد الذي يثقل ميزانك كيف تصنع أثراً في مجتمعك، فالأثر لا يحتاج أن تكون وزيراً أو عالماً مشهوراً بل يحتاج نية صادقة وخطوة حقيقية.
وفي منازلنا علينا أن نربي أبناء صالحين وهذا أعظم أثر فكلمة تشجيع تغير مسارا، ورب كلمة أحيت روحاً أو احتضان في وقت انكسار وأما في العمل فالرسالة هي أن نتقن عملنا لنصل للإحسان أو نعلّم غيرنا.
وبعلمك كل ما تعلمته علّمه لغيرك أو أن تجعل مكانك بعدك أفضل مما كان عليه. فالموظف الذي ترك نظاماً، والمعلم الذي غرس حب العلم لا ينسى أبدا. وفي حيك كن مبادراً بما يهم مجتمعك، نظف شارعك وساعد محتاجا وافتح باب خير، وظف فكرك وكلمتك من خلال كتابة مقال، أو نشر مقطع فيديو مفيد، قدم نصيحة. بل إن الابتسامة الصادقة في ديننا العظيم صدقة.
وأن نتذكر دوما أن الدال على الخير كفاعله. فالقاعدة ألا تحتقر صغر الأثر. فالنهر يبدأ بقطرة، والغابة تبدأ بفسيلة.
أما أعداء صناعة الأثر فهم ثلاثة أشياء والتي قد تقتل الأثر قبل أن يولد وأولهم التسويف وشعور الكسل «غدا أبدأ». وغداَ لا يأتي. والعدو الثاني للأثر هو مقارنة نفسك بالآخرين: «أنا وحدي ماذا أصنع؟» أنت لست وحدك، أنت حلقة في سلسلة وهناك من سيأتي ليتبعك.
وأما العدو الثالث فهو ألا تنتظر المقابل وقم واصنع الأثر لله أولاً وأما أجر الناس وشكرهم ومكافأتهم أمر ثانوي، لا غاية تُسعى.
وفي الختام لا يعلم الإنسان أي كلمة يقولها ينفع الله بها.
فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر قرآنا ولم يعلم من يستمع إليه غير هؤلاء الصحابة، فسمع السورة نفر من الجن يستمعون القران وبانتهاء صلاة الفجر رجعوا منذرين لقومهم.
وهذا ما يؤكد أن ديننا يربينا على أن نترك أثراً، فكلمة تقولها أو مقالا تنشره أو تغريدة تكتبها أو أمراَ تشارك به أو دعاء تدعو به وغيرها من أمور يفعلها الانسان لا يعلم أيها يترك أثراً المهم أن يفعل وأن يبذل وأن يعطي وأن يشارك والله يتولى بعد ذلك أمر النفع.
ولا شك أن النية لها دور عظيم لكن الله هو الموفق سبحانه وتعالى.
فعلينا أن نمضِ ونغرس ونسأل أنفسنا كل ليلة ماذا غرست اليوم؟ هل تركنا مكاناً أجمل؟ أو فعلا يذكر؟ ولا ننتظر الظروف المثالية. ولا ننتظر أن يصفق لنا أحد.
فلنغرس فسيلتنا حتى لو كانت نهاية الحياة فربما يأتي من يمر بعد مئة عام ويقول: «هذه الشجرة غرسها من لا نعرفه». وما أجمل أن نُحب ونُذكر وقد فنينا.