عبد العزيز الموسى
في المدرجات، يجلس آلاف المشجعين وهم يعرفون أنهم مختلفون في أبسط الأشياء: الفريق الذي يستحق الفوز. هذا يهتف لفريقه، وذاك يناصر منافسه، وكل منهما يرى أن لديه ما يكفي من الأسباب ليكون على حق. وليس في ذلك مشكلة؛ بل إن اختلافهم هو الذي يصنع المنافسة. فلو اتفق الجميع على فريق واحد، لما بقيت للمباراة منافسة، ولا للمدرجات حماسة. لكن الاختلاف الذي يمنح الرياضة معناها قد ينقلب، حين يتجاوز حدوده، إلى تعصب يفسد معناها. يتحول التشجيع إلى إساءة، والمنافسة إلى خصومة، والانتماء إلى نادٍ إلى انتقاص من جمهور نادٍ آخر. وهنا تخرج المسألة من حدود الرياضة لتكشف سؤالًا أوسع: لماذا يصعب علينا أحيانًا أن نختلف دون أن نتحول إلى خصوم؟
فالإنسان لا يعيش في عالم من النسخ المتطابقة؛ يختلف الناس في أذواقهم وتجاربهم وقراءاتهم ومواقفهم، وقد ينظرون إلى المسألة نفسها فيصلون إلى نتائج متباينة. وليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن قناعته لمجرد أن غيره لا يشاركه فيها، وإنما أن يدرك أن قناعته لا تمنحه حق إلغاء المخالف.
من هنا تبدأ مشكلة أحادية الرأي. يبدأ الإنسان برأي يراه صحيحًا، ثم ينقله من دائرة القناعة إلى معيار يحاكم به الآخرين، حتى يصبح المختلف معه مخطئًا بالضرورة، ثم يصبح خطؤه سببًا لرفضه، وقد يتحول الرفض إلى إقصاء أو عداء. عندها لا يعود الاختلاف اختلافًا في الرأي، بل يصبح اختلافًا في القيمة والمكانة. وهذه هي خطورة التعصب في جوهره: أنه لا يكتفي بأن يمنح الإنسان موقفًا، بل يدفعه إلى الاعتقاد بأن موقفه لا يكتمل إلا بإلغاء موقف غيره.
والتعددية لا تعني أن جميع الآراء صحيحة، ولا أن الحقيقة نسبية، ولا أن الإنسان مطالب بالتنازل عن قناعته. إنها تعني أن أملك قناعتي وأدافع عنها، وأترك للآخر حقه في أن يرى غير ما أرى، ما دام الاختلاف لم يتحول إلى اعتداء على حق أو كرامة أو نظام. يمكن أن أعتقد أنني على صواب وأن مخالفِي قد أخطأ، دون أن يتحول ذلك إلى كراهية أو احتقار؛ فالنقاش لا يستلزم الخصومة، والاختلاف لا يلغي الاحترام.
ومن هنا نفهم التعصب الرياضي على نحو أعمق. فاختيار النادي في الغالب ليس قضية يملك أحد فيها برهانًا ملزمًا للجميع؛ قد يرتبط بأسرة أو مدينة أو ذاكرة أو تجربة أو مجرد إعجاب. ومع ذلك، قد يتحول هذا الانتماء البسيط إلى هوية مغلقة، فيرى المشجع في المنافس أكثر من مجرد منافس، ويصبح انتصاره على فريقه مسوغًا للسخرية منه أو الانتقاص من جمهوره.
وهذه الآلية لا تقف عند حدود الرياضة. فالانتماء إلى فكرة أو جماعة أو مدرسة فكرية يمكن أن يسلك الطريق نفسه حين يتحول من وسيلة للتعبير عن الذات إلى عدسة وحيدة يرى الإنسان من خلالها الآخرين. وهنا يصبح التعصب الرياضي صورة مصغرة لظاهرة أوسع: حين يفقد الانتماء قدرته على التعايش مع المختلف، يتحول من هوية إلى خصومة. ولذلك لا يكفي أن نطلب من الإنسان أن يكون متسامحًا، بل لا بد أن تحكم الاختلافَ قواعدُ أخلاقية وتشريعية. وقد وضعت الشريعة للخصومة معيارًا لا يتغير بتغير موضوعها. فالانتماء لا يبرر الظلم، والخصومة لا تسقط العدل، ولا يصبح السب والسخرية والاعتداء مقبولًا لأن المناسبة مباراة أو لأن الفاعل مشجع متحمس.
ومن المعنى الأخلاقي نفسه يبدأ دور القانون؛ فهو لا يمنع الإنسان من التشجيع، ولا يفرض عليه محبة منافسه، ولا يتدخل لمجرد اختلاف الأذواق والمواقف، وإنما يضع الحد الفاصل حين ينتقل الاختلاف من ممارسة مشروعة إلى اعتداء على حقوق الآخرين أو إخلال بالنظام. فحرية التشجيع شيء، والتشهير أو الاعتداء أو التخريب أو الإساءة المعاقب عليها شيء آخر. وهنا تظهر قيمة التعددية في صورتها العملية: ليست أن نعيش بلا اختلاف، وإنما أن نعيش مع الاختلاف. فالمنافس ليس عدوًا لمجرد أنه اختار فريقًا آخر، والمخالف ليس خصمًا لمجرد أنه يرى المسألة من زاوية مختلفة. وكلما اتسعت قدرة المجتمع على احتمال الاختلاف وإدارته بالعدل، ضاقت المساحة التي يمكن أن ينمو فيها التعصب.قد تنتهي المباراة بفوز فريق وخسارة آخر، لكن النتيجة لا تحدد قيمة الإنسان، كما أن اختلاف الرأي لا يحدد قيمة صاحبه. يستطيع المشجع أن يفرح بانتصار فريقه دون أن يكره الآخر، وأن يحزن لخسارته دون أن يبحث عن شخص يهينه. وكذلك يستطيع المجتمع أن يختلف دون أن يتشظى، وأن تتعدد فيه الأصوات دون أن يتحول تعددها إلى خصومة. فالاختلاف لا يهددنا؛ الذي يهددنا أن نعتقد أن العالم لا يتسع إلا لرأينا.. إلى اللقاء.