مهدي آل عثمان
منذ عقود، تقوم السياسة الأمريكية في تعاملها مع الدول والأنظمة المناوئة لها على قاعدة شهيرة تُعرف بسياسة «الجزرة والعصا»، إغراء بالمصالح والمكاسب والانفتاح الاقتصادي من جهة، وتهديد بالعقوبات والضغط والقوة العسكرية من جهة أخرى.
وقد نجحت هذه السياسة أحياناً في تعديل سلوك بعض الأنظمة، لكنها أمام النظام الإيراني تبدو وكأنها استنفدت كثيراً من أدواتها، دون أن تنجح في إحداث تحول مستدام في سلوكه، أو تمنح دول المنطقة شعوراً حقيقياً بالأمن والاستقرار.
فالولايات المتحدة جربت مع إيران العقوبات الاقتصادية، والعزلة السياسية، والضغط الدبلوماسي، ثم المفاوضات والاتفاقات وتخفيف بعض القيود. كما لجأت إلى القوة العسكرية واستهداف منشآت وقدرات إيرانية. ومع ذلك، بقي جوهر الأزمة قائماً، واستمر التصعيد في ظل تعثر المفاوضات، وتواصل الخلافات حول البرنامج النووي وأمن الملاحة في المنطقة.
وإذا تجاوزنا التفاصيل المتشعبة للأزمة الأمريكية الإيرانية، فإن قضيتين تبدوان في صدارة الحسابات الاستراتيجية ومحوراً رئيساً للخلاف: البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز.
فالقضية الأولى ترتبط بأمن المنطقة، والتوازن العسكري، ومستقبل امتلاك إيران قدرات نووية قد تدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من سباق التسلح. أما الثانية، فتمس الاقتصاد العالمي مباشرة، لأن مضيق هرمز ليس ممراً إيرانياً داخلياً، بل أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسعار النفط والأسواق الدولية.
ولهذا تختلف نظرة واشنطن إلى إيران عن نظرة دول الجوار إليها. فالولايات المتحدة تركز، في المقام الأول، على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان أمن الملاحة، وحماية مصالحها وقواعدها في المنطقة، إلى جانب التزامها بأمن إسرائيل.
أما دول الجوار، فتواجه بصورة أكثر مباشرة آثار السياسات الإيرانية، سواء من خلال التدخل في شؤونها، أو دعم وتمويل وتسليح جماعات وميليشيات تعمل خارج مؤسسات الدولة، أو استغلال الأزمات والخلافات الداخلية في بعض الدول العربية، بما يخدم توسيع النفوذ الإيراني.
ومن هنا تتضح المشكلة الحقيقية، فقد يستطيع أي اتفاق أمريكي إيراني معالجة نسب تخصيب اليورانيوم، أو أجهزة الطرد المركزي، أو ترتيبات الملاحة في هرمز، أو العقوبات والأصول المجمدة، لكنه لن يكون اتفاقاً كافياً لدول المنطقة إذا لم يتناول سلوك الدولة الإيرانية تجاه جيرانها.
كما أن الداخل الإيراني لا يمكن عزله عن هذه المعادلة، فالمشكلة ليست خلافاً خارجياً بين طهران وواشنطن فحسب، وإنما ترتبط أيضاً بعلاقة النظام بالمجتمع الإيراني، وبمستقبل الدولة نفسها.
لقد أتيحت لإيران، في مراحل مختلفة، فرص للانفتاح على المجتمع الدولي، والاستفادة اقتصادياً، وتخفيف العقوبات المفروضة عليها، على أمل أن تدفعها هذه المكاسب إلى تعديل سلوكها وسياساتها. لكن التجربة أظهرت أن النظام استطاع الاستفادة من بعض فترات التهدئة والانفتاح، دون أن يُحدث تغييراً جوهرياً ومستداماً في نهجه السياسي والأمني.
وفي المقابل، اتخذ الضغط على إيران صوراً أكثر صرامة، بدءاً من العقوبات الاقتصادية القاسية، وصولًاً إلى الضربات العسكرية واستهداف المنشآت والقدرات العسكرية. إلا أن التجربة أظهرت أيضاً أن القوة العسكرية، مهما حققت من مكاسب ميدانية، لا تضمن بالضرورة الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة أو نتائج دائمة.
فالقدرات يمكن إعادة بنائها، والضربات قد تقود إلى ردود مضادة، والتصعيد يفتح الباب أمام تصعيد أكبر. وهنا تكمن الخطورة، إذ قد تبدأ المواجهة محدودة، ثم تتسع، وتكون دول المنطقة، وأمنها، واقتصادها، واستقرارها، في مقدمة من يدفع الثمن.
وهنا يظهر جوهر الخلل، فالمسار الأمريكي في التعامل مع إيران لا يبدو متجهاً نحو إزاحة النظام، بقدر ما يركز على احتواء سلوكه والحد من قدراته العسكرية والنووية، في ظل ما قد يحققه بقاء النظام الحالي من بعض المصالح والحسابات الاستراتيجية للسياسة الأمريكية في المنطقة.
وفي المقابل، تعلّم النظام الإيراني، عبر العقود، كيف يتعامل مع هذه المعادلة ويتحرك بين الجزرة والعصا، فيلجأ إلى التفاوض عندما يشتد عليه الضغط، ويرفع سقف مواقفه عندما يلمس رغبة خصومه في التهدئة، ويستخدم عامل الوقت أداة تفاوضية، محولاً ملفاته المختلفة إلى أوراق ضغط، من البرنامج النووي والصواريخ، إلى مضيق هرمز والنفوذ الإقليمي.
ولهذا، لم يعد المطلوب اتفاقاً مؤقتاً يؤجل الأزمة لسنوات قليلة، ولا ضربة عسكرية تنتهي بينما تبقى أسباب الخلاف على حالها.
فالمنطقة بحاجة إلى معادلة سياسية جديدة، يكون في أساسها الشعب الإيراني وقواه السياسية والمدنية في الداخل والخارج، بما يفتح الطريق أمام تحول إيران إلى دولة طبيعية في سلوكها، تعيش مع جيرانها وفق قواعد القانون الدولي والمصالح المتبادلة، وتحترم سيادة الدول، وتتوقف عن بناء نفوذها من خلال الجماعات المسلحة واستغلال الأزمات الداخلية في الدول الأخرى.
أما استمرار النهج نفسه، وانتظار أن تغير العقوبات وحدها سلوك النظام، أو أن تغريه المكاسب الاقتصادية بإحداث تحول جوهري، فهو تكرار لتجربة امتدت سنوات طويلة، دون أن تصل إلى نتيجة حاسمة.
وبعد سنوات طويلة من التجربة، تكشف الوقائع حقيقة يصعب تجاهلها: مع النظام الإيراني، لم تكن الجزرة كافية لإحداث تحول دائم في سلوكه، ولم تكن العصا كافية لردعه عن العودة إلى النهج نفسه.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: كيف يتم الضغط على النظام الإيراني أكثر؟ بل: كيف نبني معادلة إقليمية تحول دون استمرار هذا السلوك، وتفتح الطريق أمام إيران مختلفة، يقرر شعبها مستقبلها، وتعيش بسلام مع جيرانها؟
عندها فقط يمكن القول إن الأزمة انتهت فعلاً، لا أن جولة منها انتهت في انتظار جولة أخرى.