د. هبة توفيق أبو عيادة
تُبنى الغايات بالتعب، وتُشاد صروح المجد على أعمدة الصبر، فما كان لحلمٍ عظيم أن يخرج من ظلمة التمنّي إلى ضياء التحقّق إلا على أيدي رجالٍ عرفوا أن للمعالي مهرًا، وأن للقمم طريقًا لا تُفرش فيه الرياحين، ولا تُعبّد فيه السبل بالراحة والدعة. إنما هي مشقةٌ تعقبها مشقة، وعثرةٌ تليها عثرة، ثم يمضي صاحب العزم، وفي قلبه قبسٌ لا تطفئه عواصف اليأس، ولا تنال منه نوائب الطريق.
وما أكثر الذين يفتنون بثمرات النجاح، ولا يلتفتون إلى جذوره الضاربة في أعماق الأرض! يرون الغصن مثقلًا بالثمار، ولا يرون ما احتملته الشجرة من قيظٍ وبرد، ولا ما شربته من ماء العناية، ولا كم مرة هزّتها العواصف وهي صامدة في موضعها. كذلك شأن الإنسان في حياته؛ يُرى واقفًا على منصة المجد، ولا تُرى الأيام التي انحنى فيها على كتبه، ولا الليالي التي خاصم فيها النوم، ولا الساعات التي كان فيها وحيدًا يصارع فتور النفس وثقل الجسد، ثم يعود إلى عمله كأن شيئًا لم يكن.
إن للنجاح وجهًا يراه الناس، ووجهًا آخر لا يراه إلا صاحبه. أما الوجه الظاهر فهو ابتسامة الوصول، وأما الوجه الخفي فهو آثار الطريق على الروح. وما من إنسان بلغ غايةً تُحمد إلا وخلّف وراءه شيئًا من الراحة، وشيئًا من اللهو، وشيئًا من الأمنيات الصغيرة التي آثر عليها أمنيةً أكبر وأبعد. فالغايات العظيمة لا تقبل أن تُنال بنصف قلب، ولا ترضى أن يكون الساعي إليها متردد الخطو، متقلب العزم؛ إذ إن الطريق إليها امتحانٌ قبل أن يكون مسيرًا، وغربالٌ تتساقط فيه الهمم الواهية، ويبقى فيه صاحب العزيمة الراسخة.
غير أن التعب، على جلال شأنه، ليس فضيلةً في ذاته إن لم يهتدِ ببصيرة. فكم من ساعٍ أضناه المسير، ثم وجد أنه كان يبتعد عن غايته كلما ظن أنه يقترب منها! وليس العقل أن نكثر من الخطى، وإنما العقل أن نعرف إلى أين نسير. وقد يكون تغيير الطريق حكمة، والرجوع عن الخطأ شجاعة، وإعادة النظر في الخطة دليلًا على قوة البصيرة لا على ضعف الإرادة. فالمثابر الحق ليس من يكرر المحاولة بعينين مغمضتين، بل من يجعل من كل عثرة عينًا ثالثة يرى بها موضع الخلل، ثم يستأنف المسير على هدى.
إن أشد ما يمتحن المرء أن يبذل ولا يرى، وأن يزرع ولا يحصد، وأن يطرق بابًا طويلًا ولا يسمع خلفه صوت الفتح. هناك، حين يثقل الانتظار ويطول الأمد، يتسلل اليأس إلى النفس تسلل الداء إلى الجسد، فيقول لصاحبه: ما جدوى ما تصنع؟ ولكن أولئك الذين يعرفون سنن الحياة لا يستعجلون الثمر قبل أوانه؛ فإن الزرع لا يستجيب لصوت المستعجل، والليل لا ينشق عن الفجر لأن إنسانًا ضاق بالظلمة. لكل شيء ميعاده، وللنجاح مواسمه، وللجهد ثمرة قد تتأخر، لكنها لا تضيع عند من أحسن السعي.
إن لكل غاية ضريبة، ومن أراد المجد ولم يرضَ بثمنه فقد طلب المستحيل. قد يكون الثمن ساعةً من الراحة، أو أعوامًا من الاجتهاد، أو صبرًا على طريقٍ لا يصفق لك فيه أحد. وليس كل ما يُضحّى به خسارة؛ فقد تترك لذةً عاجلة لتكسب مجدًا باقيًا، وتؤثر تعب الساعة لتشتري راحة العمر.
ومن نظر إلى الثمن وحده ولم ينظر إلى قيمة ما يشتريه، بقي أسير اللحظة، وحُرم لذة الإنجاز. فلا تنتظر أن تأتيك العزيمة كاملة، ولا أن يخلو الطريق من الشوك، ولا أن يصفق لك الناس عند كل خطوة. امضِ ولو بخطوة، فإن الجبال الشامخة لم تكن في أصلها إلا ذراتٍ اجتمعت، والأنهار العظيمة لم تكن عند منابعها إلا خيطًا من ماء. إنما تصنع العظمةَ أفعالٌ صغيرة تتكرر حتى تستحيل خلقًا، وعادةً، ثم قدرًا لا يُغلب.
وحين يبلغ المرء غايته، ويلتفت إلى الوراء، يدرك أن أعظم ما كسبه لم يكن الغاية وحدها، بل نفسه التي صاغها الطريق صياغةً جديدة. يدرك أن التعب الذي كان يثقل كتفيه قد كان في الحقيقة يصنع جناحيه، وأن العثرات التي حسبها حواجز كانت درجاتٍ خفيةً نحو القمة، وأن الأيام التي ظنها ضائعة كانت تبني في أعماقه شيئًا لا يُرى إلا عند الوصول.
لا تُبنى الغايات بالأماني التي تحلّق في فضاء الخيال، ولا بالكلمات التي تلمع ساعةً ثم تنطفئ، وإنما بالعمل إذا اقترن بالعزم، وبالعزم إذا صاحبه الصبر، وبالصبر إذا عضده الأمل.
فمن أراد أن يكتب اسمه في سجلّ الإنجاز، فليعلم أن القمم لا تستقبل المترددين، وأن المجد لا يفتح أبوابه للمتفرجين. وإنما يفتحها لأولئك الذين حملوا أحلامهم على أكتافهم، ومضوا بها في دروب التعب، حتى إذا بلغوا المنتهى، علموا أن أجمل ما في الوصول أن يقول المرء لنفسه: لقد كان الطريق شاقًا، ولكنني كنت أهلًا له.