د. أحمد محمد القزعل
الطفولة ليست مجرد مرحلة من العمر، بل هي الينبوع الذي تتفجر منه إنسانيتنا الأولى، هي الفطرة في أنقى صورها، والصدق في أبسط معانيه، والدهشة التي لا تعرف التزييف.
في زمن الطفولة كانت الأحلام صغيرةً لكنها صافية؛ كانت الخيالات بريئة لكنها مفعمة بالحياة، كنا نحلم بأن نطير لا لنبتعد عن الأرض، بل لنقترب أكثر من السماء، كنا نضحك من أشياء بسيطة لا تستحق ضحكة في عُرف الكبار، لكنها في نظرنا كانت الكون كله.
ذلك الزمن الذي كانت فيه الدمى أو الطائرات الورقية تسكن قلوبنا، هو الزمن الذي صنع فينا أول معنى للأمل، حين كنا نبكي ثم نهدأ لأن أُمّاً وضعت يدها على رؤوسنا، وحين كنا نخاف من الظلام فيكفي أن يضيء أحدهم شمعةً صغيرة فنبتسم من جديد، لم نكن نعلم أن تلك الشمعة الصغيرة كانت درساً مبكراً في معنى الأمل، وأن تلك اليد الحانية كانت أول معلم للثقة بالعالم.
الأمل ليس فكرةً تُلقَّن، بل هو شعور يُزرع في القلب كما تُزرع النبتة في التربة، إنّ الأمل في الطفولة هو ما يجعل الدموع لا تتحول إلى يأس، والخيبة لا تصبح حقداً، والخوف لا ينقلب إلى كره، هو ما يجعل الطفل ينهض بعد السقوط ويحاول مرةً أخرى، هو القوة الخفية التي تبني شخصيته دون أن يشعر، وتجعله يتعلم أن وراء كل ليل فجراً، ووراء كل خسارة بداية جديدة.
حين يغيب الأمل لا تنام الطفولة مطمئنة، بل تستيقظ مذعورة في أحلامها، تفتّش عن ضوء لا تجده، وحين نحرم الطفل من الأمل، فإننا نحرم العالم من إنسان كان يمكن أن يُصلح الأرض بيده ويضيء الحياة بابتسامته.
الطفل يتعلّم الأمل من الطريقة التي ننظر بها إليه، من نغمة صوتنا حين نخاطبه، من صدق وعدنا حين نعده، إننا نزرع الأمل حين نؤمن به، حين نحتفي بجهده لا فقط بنجاحه، حين نُشعره أن خطأه ليس نهاية العالم بل خطوة نحو التعلم.
الأمل يُزرع حين يجد الطفل من يستمع له دون استعجال، من يصدّق حلمه ولو بدا صغيراً أو مستحيلاً، حين تقول لطفل: أستطيع أن أراك ناجحاً يوماً ما، فأنت لا تلقي جملة عابرة، بل تضع بذرة ستنبت بعد سنوات شجرة من الثقة بالنفس.
الأمل يُزرع حين نمدح الصدق لا الحيلة، حين نكافئ الصبر لا السرعة؛ حين نعلّمه أن القيمة في السعي لا فقط في الوصول، حين نقول له: جرب مرةً أخرى، أنا أثق بك، فإننا نمنحه جناحاً من ضوءٍ يطير به في سماء الحياة.
إنّ التعامل مع الأطفال يحتاج إلى قلب يعرف اللغة التي لا تُقال، فالأطفال لا يفهمون بالكلمات وحدها بل بالإحساس، قد تقول لطفلك ألف كلمة حبّ، لكن نظرة ضيق واحدة قد تهدم ما بنيته في أشهر، وقد لا تقول شيئاً ولكن ابتسامتك في لحظة خوف كفيلة بأن تزرع في قلبه طمأنينة لا تزول، فلنتعامل معهم كما نتعامل مع زهرة يافعة: نقترب برفق، نرويها بماء الكلمة الطيبة، ونتركها تنمو في ضوء التشجيع.
ليس المطلوب أن نحمي أولادنا من كل ألم، بل أن نعلمهم كيف يواجهونه دون أن يفقدوا الإيمان بأن الخير موجود، حين يسقط لا توبّخه فوراً، بل اجلس إلى جواره وقل له: أعرف أن السقوط مؤلم لكنك قوي وستنهض، هذه الجملة البسيطة تفتح في روحه باباً للأمل أكبر من ألف درس في الصبر، وإذا أخطأ لا تجعل الخطأ وصمة في جبينه، بل مرآةً يرى فيها الطريق الصحيح، قل له: الخطأ لا يعني أنك سيئ، بل أنك تتعلم.
حين نربي جيلاً مؤمناً بأن الحياة تستحق المحاولة، نُصلح المجتمع من جذوره، فالأطفال الذين كبروا على الأمل، لن يعرفوا القسوة طريقاً إلى قلوبهم، سيتعلمون أن لكل مشكلة حلّاً، ولكل وجع شفاء.