سارة الشهري
في السابق، كان لكل سؤال مهم أو استشارة في حياتنا عنوان بشري: طبيب نثق به، ومعلم نعود إليه، وخبير نستشيره، وصديق نطلب رأيه. أما اليوم، فقد أصبح لدينا مستشار جديد لا ينام، ولا يتعب، ولا يتذمر من كثرة الأسئلة إنه الذكاء الاصطناعي.
بضغطة زر، نسأله عن أعراض صحية، ونستشيره في معلومة علمية، ونطلب منه طريقة أفضل للتدريس، أو خطة للعمل، أو تفسيراً لموقف، أو حتى رأياً في قرار شخصي. ومع كل إجابة مقنعة وسريعة، تكبر مساحة الثقة بيننا وبين (المستشار الرقمي).
لكن هنا تبدأ القصة الأكثر أهمية: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي، أم بدأنا نعتمد عليه؟
الفرق بين الاثنين كبير. حين نستعين به للوصول إلى المعلومة، أو ترتيب الأفكار، أو اكتشاف زوايا جديدة لموضوع ما، فنحن نستخدم تقنية مذهلة لخدمة عقولنا. أما حين يصبح رأيه هو الإجابة الأخيرة، ونبدأ في رفض رأي الإنسان لمجرد أنه يخالف ما ظهر لنا على الشاشة، فنحن أمام تحول يحتاج إلى الانتباه.
الأخطر أن صياغة الإجابة الواثقة قد تمنحنا إحساساً بأن كل ما تقوله الآلة حقيقة لا تقبل النقاش. والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي قد يخطئ، وقد يقدم معلومة ناقصة أو غير مناسبة للسياق، ولذلك لا ينبغي أن تتحول سهولة الإجابة إلى شهادة بصحتها.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: هل أثق بالذكاء الاصطناعي؟ بل: هل ما زلت أثق بقدرتي على التفكير؟
فالطبيب يمتلك خبرة سريرية، والمعلم يفهم طلابه وفروقاتهم الفردية، والخبير يتحمل مسؤولية قراره، والإنسان يقرأ ما وراء الكلمات، أما الآلة فتقدم لنا معرفة وتحليلاً واحتمالات، لكنها لا ينبغي أن تحمل عنا مسؤولية الاختيار.
لابد أن نعي أن الذكاء الاصطناعي مستشار مساعد، وليس صاحب القرار. وأن التطور الحقيقي لا يحدث عندما نفوض الآلة بالتفكير نيابة عنا، بل عندما تجعلنا أكثر قدرة على التفكير، والتحقق، والمقارنة، وطرح الأسئلة الصحيحة.
فليكن (المستشار الرقمي) إلى جوارنا، لا فوق عقولنا. لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في عصر الذكاء الاصطناعي ليس المعلومة، وإنما قدرتنا على التفكير بأنفسنا.