خالد محمد الدوس
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتشابك العلاقات الإنسانية، برزت الحاجة إلى «مستشارين أسريين» كملاذٍ للأسر (المتعثرة)، وبوابة أمل لمن يسعى إلى تفاهم واستقرار. لكن ما يثير القلق حقيقةً، أن بعضاً ممن يمارسون هذه المهنة يتخذون منها (جداراً قصيراً).. يتسلقونه بسهولة..!، دون أن يحملوا في جعبتهم علماً كافياً، أو تجربة ناضجة، أو مؤهلاً يليق بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
إن «الاستشارة الأسرية» ليست مجرد كلمات عابرة أو نصائح ارتجالية تُلقى هنا وهناك، بل هي علم قائم بذاته، يضم في طياته فروعاً من علم الاجتماع، والنفس، والتربية، بل وحتى الطب النفسي في بعض الحالات. فالمستشار الأسري «المؤهل» هو ذلك الطبيب الذي يعالج الجراح الخفية في النفوس قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمات لا تُحمد عقباها!
لكن للأسف، بات بعض المنتسبين لهذه المهنة (يختزلونها) في ثقافة عامة، أو خبرات حياتية شخصية، أو قراءات (سطحية) في كتب التنمية البشرية..! يتسلحون بثقة مفرطة، ولسان حالهم يقول: «يكفي أن أكون إنساناً ناضجاً لأقدم استشاراتي للآخرين»..! وهذا من أخطر (المغالطات) التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية، بل قد تزيد الأسر تعقيداً بدلاً من تبسيط أمورها. المشكلة تكمن في أن غياب التخصص والمؤهلات يجعل المستشار أقرب إلى «الصديق المتفهم» منه إلى «المعالج المحايد» القادر على تفكيك الإشكاليات الأسرية المعقدة. قد يقع مثل هذا المستشار في فخ (التحيز العاطفي)، أو إسقاط تجاربه الشخصية على حالة الآخرين، أو تقديم حلول نمطية لا تراعي (خصوصية) كل أسرة وثقافتها وتكوينها النفسي. وفي بعض الحالات، قد يُحدث ضرراً نفسياً عميقاً، خاصة إذا تعامل مع حالات عنف أسري، أو اضطرابات نفسية، أو صدمات طفولة، وهي حالات تحتاج إلى تدخل متخصص وليس مجرد رأي.
لا ننكر أن بعض الممارسين بدون تخصص قد يملكون (حساً) إنسانياً مرهفاً، وقدرة على الاستماع، لكن هذا وحده لا يكفي. فالمهارات العلاجية تحتاج إلى تدريب منهجي، وإشراف مهني، وفهم عميق لنظريات التواصل والصراع النفسي. كما أن الأخلاقيات المهنية تُعد ركيزة أساسية، وهي لا تُكتسب إلا عبر دراسة متعمقة لمبادئ المهنة وحدودها، ومعرفة متى يجب الإحالة إلى مختص آخر.
إن تحويل الاستشارات الأسرية إلى «مهنة هاوية» يُهدد مصداقيتها، ويُفقدها قيمتها الاجتماعية، ويجعل الأسر تتردد في طلب المساعدة، خوفاً من الوقوع في أيدي غير مؤهلين. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذه المهنة بحاجة إلى تنظيم صارم، واعتماد تراخيص مهنية، ووضع معايير واضحة لممارستها، أسوة بالمهن الطبية والقانونية.
ختاماً، الاستشارة الأسرية ليست (جداراً قصيراً).. يتسلقه كل راغب..!، بل هي (جدار متين) يحتاج إلى بنيان علمي راسخ، وخبرة متراكمة، وضمير حي، ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. فالأسر هي نواة المجتمع، وركيزة مهمة من ركائزه.. وتماسكها يعني تماسكه، وتفككها يعني انهياراً أخلاقياً واجتماعياً لا يُحمد عقباه. لذلك، فلنحرص جميعاً، مهنيين ومستفيدين، على أن تكون هذه المهنة في أيدٍ أمينة، وعقولٍ واعية، وقلوبٍ مُحبةٍ للخير، متسلحة بالعلم والتخصص حتى تبقى بيوتنا آمنة، وعلاقاتنا سوية، وأجيالنا القادمة في كنف الاستقرار النفسي والاجتماعي. بعيداً عن الاعتبارات الشخصية، والميول الذاتية، والأهواء الفردية، يقف المستشار الأسري المؤهل كطبيبٍ للعلاقات، لا كقاضٍ يُصدر الأحكام، ولا كواعظٍ يلقي المواعظ..!
فالاستقرار الذي نسعى إليه لا يتحقق بإنصاف طرف على حساب آخر..! ولا بتغليب رؤية ثقافية ضيقة على حساب خصوصية كل أسرة، ولا بتطبيق وصفات جاهزة (مستوردة) من بيئات تختلف كلياً عن نسيجنا المجتمعي. إنه استقرار (يُبنى) على أسس علمية رصينة، تقوم على الحياد الإيجابي، والموضوعية في التشخيص، والمرونة في التعامل مع تنوع الأفراد.