رمضان جريدي العنزي
قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، بالتأكيد سوف نُسأل؛ فالنعم ليست ملكًا مطلقًا نتصرف فيها كيف نشاء، بل أماناتٌ سنُسأل عنها، ونقف يومًا أمام من أنعم بها علينا، كم من نعمةٍ تحيط بنا كل يوم، حتى ألفناها فأصبحت في أعيننا شيئًا عاديًا؛ صحةٌ لا نشعر بقيمتها، وأمنٌ لا نلتفت إلى فضله، وطعامٌ يُرمى، وماءٌ يُهدر، ومالٌ يُبعثر، ووقتٌ يُقتل في اللهو والعبث، بينما غيرنا يبحث عن أبسط ما نعدّه نحن من المسلّمات، والأشد قسوة أن ترى بعض السفهاء يتعاملون مع النعمة بمنطق الاستعراض لا بمنطق الشكر؛ يهدرون الطعام، ويبددون المال، ويبالغون في الاستهلاك، ويتفاخرون بما لا يحتاجون إليه، وكأن كثرة الهدر دليل رفاه، وكأن الإسراف وجاهة، وكأن النعمة خُلقت لتُهدر لا لتُصان، هؤلاء لا يعرفون قيمة ما في أيديهم؛ لأن من اعتاد النعمة قد ينسى المنعم، ومن استهان بالعطاء لا يشعر بقيمته إلا حين يُسلب منه، ليست الفخامة أن تهدر، ولا الثراء أن تبعثر، ولا النعمة أن تستعرض بها أمام الناس؛ الفخامة الحقيقية أن تعرف قدر ما بين يديك، وأن تصونه، وأن تنتفع به، وأن تجعل منه خيرًا لك ولغيرك، فكم من إنسانٍ يتمنى اليوم نعمةً نرميها نحن بلا مبالاة!، وكم من بيتٍ يفيض بالطعام ثم يُلقى في النفايات، بينما هناك من يتمنى لقمة، وكم من مالٍ يُهدر في التفاهات، بينما محتاجٌ يقف خلف الأبواب لا يسأل!، إن النعمة التي لا تُشكر معرضة للزوال، والمال الذي لا يُحسن صاحبه استعماله قد يكون حجةً عليه لا له، فاحذروا السفه في النعم؛ فإن ما تراه اليوم فائضًا لا تضمن أن يبقى غدًا، وما تظنه حقًا مكتسبًا قد تعرف قيمته حين يصبح ذكرى، لا تنتظروا زوال النعمة لتعرفوا قدرها؛ فالعاقل يشكرها وهي بين يديه، والسفيه لا يستيقظ إلا بعد أن تُغلق أبوابها، النهاية، تذكّروا أن النعمة لا تُقاس بما نملك، بل بما نحفظ ونشكر ونحسن استعماله، وما يُهدر اليوم باستخفاف، قد يصبح غدًا أمنيةً لا تُنال، وما نراه فائضًا قد يكون عند غيرنا حلمًا مؤجلًا، فلا تجعلوا النعمة ميدانًا للسفه والاستعراض، ولا تجعلوا وفرة العيش تُنسيكم فضل المنعم؛ فإن الذي بسطها قادرٌ على قبضها، والذي أعطى بلا حساب قادرٌ أن يمنع بلا إنذار، وسيأتي اليوم الذي لا يُسأل فيه الإنسان: كم ملكت؟ بل: ماذا صنعت بما مُنحت؟ فاشكروا قبل أن تُسلب، واحفظوا قبل أن تندموا، وأحسنوا إلى النعمة قبل أنتحول من نعمةٍ في أيديكم إلى حسرةٍ في قلوبكم، فالنعم لا تدوم لمن أهدرها، ولا تُصان لمن استهان بها، ومن لم يعرف قدر عطاء الله وهو بين يديه، عرف قيمته حين لا يعود إليه.