أنس تشكالا
لم يعد الزمن في حياتنا يُقاس بالساعات والأيام فقط، بل بعدد الأشياء التي نستطيع إنجازها خلالها. نردّ على الرسائل ونحن نسير، نقرأ الأخبار في دقائق، نشاهد المقاطع بسرعة مضاعفة، وننتقل من موضوع إلى آخر قبل أن تكتمل الفكرة الأولى في أذهاننا. حتى الانتظار، الذي كان جزءًا طبيعيًا من الحياة، أصبح شيئًا نحاول التخلص منه بأي طريقة. لقد أصبحنا نملك وسائل تختصر المسافات، وتسرّع الوصول، وتنجز في ثوانٍ ما كان يحتاج إلى أيام. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل أصبحنا أسرع مما ينبغي؟
ليست السرعة مشكلة في ذاتها، لقد غيّرت حياتنا إلى الأفضل في جوانب كثيرة؛ فالطبيب يصل إلى معلوماته بسرعة، والباحث يتواصل مع زملائه في أنحاء العالم، والمسافر يعرف طريقه في لحظات، والإنسان يستطيع إنجاز أعمال كثيرة بوقت أقل. المشكلة تبدأ حين تتحول السرعة من وسيلة إلى قيمة نقيس بها كل شيء.
نريد جوابًا فوريًا عن سؤال يحتاج إلى تفكير، وحكمًا سريعًا على شخص لا نعرف قصته، وقرارًا عاجلًا في مسألة تحتاج إلى تروٍّ. نقرأ عنوانًا فنكوّن موقفًا، ونسمع جملة فنحكم على قائلها، ونرى مشهدًا عابرًا فنعتقد أننا فهمنا الحكاية كاملة. وكأننا لم نعد نمنح الأشياء الوقت الكافي لكي تكشف لنا وجهها الآخر. حتى القراءة تغيرت، أصبحنا نبحث عن الخلاصة قبل التفاصيل، وعن الفكرة في سطر، وعن الكتاب في ملخص، وعن التجربة في صورة. وربما لا يكون الخطر في اختصار المعلومات، بل في أن نعتاد الاختصار إلى درجة نفقد معها صبرنا على الأشياء التي لا يمكن فهمها بسرعة.
هناك أفكار لا تظهر في اللحظة الأولى، وعلاقات لا تُفهم من موقف واحد، وأشخاص لا تكشفهم الكلمات الأولى. بعض الأشياء تحتاج إلى أن نبقى معها قليلًا، أن نعيد النظر فيها، وأن نسمح للوقت بأن يضيف ما لم نستطع رؤيته من البداية.
والغريب أننا حين نسرع في كل شيء، لا نشعر بالضرورة أن لدينا وقتًا أكثر. يحدث العكس أحيانًا؛ تمتلئ ساعاتنا بالمهام الصغيرة، وتزدحم أيامنا بالإشعارات والتنقل بين الأعمال، فنجد أنفسنا في نهاية اليوم وقد فعلنا أشياء كثيرة، لكننا لا نستطيع أن نتذكر متى عشنا شيئًا منها فعلًا. ربما لأن السرعة لا تسرق الوقت دائمًا، لكنها قد تسرق الانتباه. والإنسان لا يعيش بما يمر عليه فقط، بل بما ينتبه إليه. قد تمر ساعة كاملة ونحن منشغلون بعشرات الأشياء، ثم نكتشف أننا لم نكن حاضرِين في أي واحدة منها بصورة كاملة.
وفي العلاقات أيضًا، أصبحت السرعة أحيانًا بديلًا عن الفهم. نريد من الآخر أن يشرح نفسه فورًا، وأن يرد فورًا، وأن يعتذر فورًا، وأن يتخذ موقفًا فورًا. لكن بعض المشاعر تحتاج إلى وقت حتى تجد كلماتها، وبعض الخلافات تحتاج إلى هدوء حتى نعرف ما الذي نختلف عليه أصلًا.
لا يعني هذا أن نعود إلى حياة بطيئة في كل تفاصيلها، ولا أن نرفض التكنولوجيا أو السرعة التي جعلت كثيرًا من أعمالنا أسهل. المطلوب ربما هو شيء أبسط: أن نعرف متى تكون السرعة نافعة، ومتى تصبح عائقًا أمام الفهم. فليس كل ما يمكن إنجازه بسرعة ينبغي أن ننجزه بسرعة. وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة فورية، ولا كل موقف يحتاج إلى حكم، ولا كل لحظة صمت تحتاج إلى ملئها بالكلام.
ربما أصبحنا أسرع فعلًا، لكن السؤال الأهم ليس كم ننجز في اليوم، بل: هل ما زلنا نملك الوقت الكافي لنفهم ما يحدث لنا؟ فالحياة ليست سباقًا إلى نهاية اليوم. وبعض أجمل الأشياء فيها لا تحدث عندما نصل أولًا، بل عندما نتوقف قليلًا وننتبه إلى الطريق.