ثامر الشهراني
لا يبدو الموقف السعودي تجاه التصعيد الحوثي الأخير مجرد رد على هجوم جديد، بل موقف يتجاوز تفاصيل الهجوم إلى تثبيت قاعدة واضحة في التعامل مع التهديدات التي تستهدف أمن المملكة واستقرار المنطقة. فاستهداف المدنيين والأعيان الاقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وإصابة 73 مدنيًا بينهم نساء وأطفال، لا يضع الرياض أمام مسؤولية حماية المدن والمنشآت فقط، بل أمام محاولة لفرض واقع جديد بالقوة. ولهذا جاء التأكيد على التعامل مع مصادر التهديد وتحييد خطرها برسالة لا تحتمل التأويل: أمن السعودية خط أحمر.
الحوثي من جهته لا يتعامل مع التصعيد باعتباره هدفًا عسكريًا فقط، بل يحاول من خلاله رفع كلفة المواجهة وتحويل قدرته على استهداف الخارج إلى ورقة سياسية. فكلما ارتفع مستوى التهديد، أراد أن يثبت أنه طرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة. لكن المشكلة أن القدرة على إحداث الضرر لا تعني القدرة على صناعة الشرعية، كما أن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك مشروع دولة.
ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بعيدًا عن إيران؛ فالورقة الحوثية تمنح طهران مساحة نفوذ تتجاوز الجغرافيا اليمنية. فوجود الجماعة على البحر الأحمر وقدرتها على تهديد الملاحة ودول الجوار يوفران لإيران أداة إضافية للضغط في ملفات المنطقة. ولذلك فإن استمرار التوتر يخدم حسابات تتجاوز الصراع اليمني نفسه، ويجعل من اليمن جزءًا من معادلة أوسع للنفوذ والمساومة.
لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: ماذا كسب اليمن من ذلك؟ سنوات الحرب تركت اقتصادًا منهكًا، وأعباء إنسانية متزايدة، ومجتمعًا دفع ثمن الصراع. وفي الوقت الذي تحتاج فيه المناطق الخاضعة للحوثيين إلى إدارة واقتصاد وخدمات، تستمر الأولوية في توجيه السلاح إلى الخارج. وهنا يتحول عجز الداخل إلى وسيلة ضغط على الإقليم، فيما تستمر فاتورة الحرب في الداخل اليمني.
والأهم أن التصعيد الحوثي يحمل رسالة سياسية بقدر ما يحمل رسالة عسكرية. فالجماعة تريد أن تقول إن قدرتها على استخدام القوة تمنحها موقعًا متقدمًا في أي مفاوضات مقبلة. وهذه معادلة قد تنجح في فرض حضور مؤقت، لكنها لا تستطيع أن تمنح جماعة مسلحة ما لا يمنحه إلا مشروع الدولة: الشرعية والاستقرار والقدرة على إدارة المستقبل.
ومن هنا يمكن فهم الموقف السعودي؛ فالرياض لا تبحث عن مواجهة مفتوحة، بقدر ما تريد منع تحويل السلاح إلى وسيلة لفرض قواعد جديدة على أمن المملكة. الردع هنا ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لحماية أمن السعودية ومنع تكرار الهجمات، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام الحل السياسي الذي يعيد اليمن إلى منطق الدولة.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي أيضًا. فإدارة التصعيد بعد وقوعه، ثم انتظار جولة جديدة، لن تنهي الأزمة. المطلوب معالجة أصل المشكلة، ودعم قيام دولة يمنية تستعيد قرارها، وعدم التعامل مع التهديد الحوثي باعتباره ملفًا يمنيًا منفصلًا عن امتداداته الإقليمية.
والتصعيد الأخير يضع الحوثي أمام معادلة مختلفة؛ فكل هجوم لا يقاس فقط بما يحدثه من ضرر، وإنما بما يترتب عليه من تبعات سياسية وأمنية. وإذا كان الهدف هو رفع قيمة الجماعة في أي تفاوض، فقد يؤدي استمرار التصعيد إلى نتيجة عكسية، عندما تتحول كلفة الهجمات إلى عبء أكبر من المكاسب التي تسعى إليها.
وعليه، فإن أمن السعودية ليس مساحة للمساومة، واليمن لن يجد طريقه إلى الاستقرار عبر مزيد من الصواريخ والمسيّرات. ومن يعتقد أن إطلاق الصاروخ يمنحه قوة تفاوضية، عليه أن يحسب أولًا كلفة ما يأتي بعده؛ لأن القوة قد تفرض حضورًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكتب مستقبل دولة.