إبراهيم بن يوسف المالك
ليست كل مشكلة في الخبرة تعني أن المؤسسة تحتاج إلى خبير جديد. وأحياناً لا يكون الحل في إضافة شخص جديد إلى الطاولة، بقدر ما يكون في النظر إلى ما إذا كانت الطاولة نفسها مصممة لتنتج حكماً أفضل. فاستقطاب الخبرات المتخصصة قد يكون الحل الأمثل، لكنه لا يعالج بالضرورة المشكلة إذا كانت تكمن في قدرة مجلس الإدارة على استثمار تلك المعرفة وتحويلها إلى قرارات رشيدة.
هذا ما تبادر إلى ذهني أثناء قراءتي للورقة المهمة التي أصدرها مركز الحوكمة حول الاستعانة بأعضاء من خارج مجلس الإدارة للمشاركة في اللجان المنبثقة عنه. فقدمت الورقة معالجة متوازنة لقضية تزداد أهميتها مع تعقد بيئة الأعمال، مستعرضة التجربة السعودية مقارنة بعدد من الممارسات الدولية، ومناقشة مزايا الاستفادة من الخبرات المتخصصة، إلى جانب تحديات تتعلق بالمساءلة وحدود الصلاحيات واحتمال نشوء ما أطلقت عليه «الحوكمة الموازية».
تتجاوز قيمة الورقة الإجابات التي قدمتها إلى نقاش أوسع حول العلاقة بين الخبرة وبنية مجلس الإدارة وقدرته على ممارسة الحكم.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية الخبراء أو المستشارين أو أعضاء اللجان من خارج المجلس. فالمجالس تواجه اليوم ملفات متخصصة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والاستدامة والتقنيات المالية وإدارة المخاطر، يصعب أن تجتمع جميعها داخل مجلس واحد مهما بلغت خبرة أعضائه. ومن الطبيعي أن تستعين المجالس بخبرات نوعية تسد فجوات تخصصية لا يمكن تجاهلها.
لكن هناك فرق بين مجلس يستعين بخبير لمواجهة قضية متخصصة، ومجلس يعتمد بصورة متكررة على الخبرات الخارجية لتعويض قصور في بنيته أو تنوعه أو آليات عمله. في الحالة الأولى تكون الخبرة إضافة نوعية، أما في الثانية فقد تتحول، من حيث لا يقصد المجلس، إلى بديل عن تطويره.
لذلك فإن وجود خبير خارجي لا يعني بالضرورة ضعف المجلس، كما أن غيابه لا يعني اكتمال قدراته. المعيار الحقيقي هو سبب الحاجة إلى الخبرة، والدور الذي تؤديه، والأثر الذي تتركه في جودة القرار.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط في نقاشات الحوكمة: الخبرة، والحوكمة، وجودة الحكم. فالخبرة تقدم المعرفة الفنية، والحوكمة تحدد الأدوار والصلاحيات والمسؤوليات، أما جودة الحكم فتتمثل في القدرة على الموازنة بين معلومات واعتبارات قد تكون جميعها صحيحة، ثم اختيار مسار واحد وتحمل مسؤوليته.
فاللجان تستطيع أن تدرس وتحلل وتختبر البدائل وتستعين بالخبراء، لكنها تظل جزءاً من منظومة صنع القرار وليست بديلاً عن مجلس الإدارة في ممارسة الحكم. ومن هنا لا ينبغي أن يقاس نجاح اللجنة بما تنتجه من تقارير وتوصيات فقط، بل بقدرتها على إثراء النقاش، وتوسيع البدائل، وتحسين جودة القرار. فإذا أصبحت اللجنة مركزاً مستقلاً للتأثير بدلاً من أن تكون أداة تعين المجلس على أداء دوره، فإن المسألة لا تعود مجرد تطوير للخبرة، وإنما تصبح تحولاً في بنية الحوكمة نفسها.
وهذا يقود إلى البيئة التي تصل فيها المعرفة إلى المجلس: ما المعلومات التي تعرض عليه؟ وما البدائل التي تناقش أمامه؟ وكيف تُعرّف المخاطر والقيود؟ ومن يملك حق طرح البدائل أو استبعادها؟ فهذه المسائل تتصل مباشرة بالبيئة المؤسسية التي يُتخذ القرار داخلها.
من هذه الزاوية تكتسب «الحوكمة الموازية» أهميتها؛ إذ قد تنتقل مراكز التأثير تدريجياً من المجلس إلى اللجان إذا لم تكن العلاقة بينهما واضحة ومتوازنة. وعندها تصبح فعالية اللجنة مرتبطة بقدرتها على دعم المجلس، لا بتكوين مركز قرار موازٍ له.
وقد تعقد لجنة عشرات الاجتماعات، وتستعين بأفضل الخبراء، وتنتج تقارير متقنة، ثم لا ينعكس ذلك على جودة القرار النهائي. لذلك لم تعد مؤشرات مثل عدد اللجان والاجتماعات كافية للحكم على جودة الحوكمة؛ فالأهم هو جودة النقاش، وتنوع البدائل، وطريقة الوصول إلى القرار، وقدرة المجلس على التعامل مع القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات المالية والتنظيمية والتقنية والاستراتيجية.
إذا كانت الخبرة قادرة على تحسين التحليل، فمن الذي يطور جودة الحكم؟
فجودة الحوكمة تُقاس في النهاية بقدرة مجلس الإدارة على تحويل المعرفة والخبرات والأنظمة والبدائل التي توضع أمامه إلى قرار مسؤول ومتوازن وقادر على تحمل تبعاته.
ولذلك ربما يكون المعيار الحقيقي لنجاح أي مجلس إدارة هو ما إذا كان قد أصبح، بعد كل تلك الخبرات واللجان والأنظمة، أكثر قدرة على ممارسة الحكم مما كان عليه بالأمس.
فإذا كانت الإجابة نعم، فقد حققت الحوكمة غايتها. أما إذا بقيت الخبرة تتوسع بينما لا تتطور جودة الحكم، فقد نكون عالجنا نقصاً في الخبرة.. وأجلنا بناء مجالس الإدارة.