د. منى بنت سعيد القحطاني
كيف نبني مواطناً معتزاً بهويته، متمسكاً بقيمه، واعيا بمسؤوليته، وقادراً على التفكير وحل المشكلات واتخاذ القرار؟
سؤال جوهري تبدأ إجابته من المدرسة، وتحديدا من قيادتها؛ فالمدرسة لم تعد مكانا لتلقي المعرفة فحسب، بل بيئة تتشكل فيها شخصية المواطن، وتنمو معارفه ومهاراته وقيمه، ويتهيأ فيها للإسهام بفاعلية في تنمية وطنه وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في تطوير القيادات المدرسية؛ بوصفها القوة المحركة لجودة التعليم والارتقاء بنواتج التعلم.
وانطلاقاً من هذه الأهمية، يقدم المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، من خلال برنامج ممارسي التطوير المهني «سفراء القيادة»، نموذجا نوعيا في إعداد المدربين المركزيين القادرين على دعم القيادات المدرسية وتطوير ممارساتها، ضمن منظومة وطنية طموحة تستهدف إعداد قيادات تحدث فرقا في المدرسة، وتسهم في بناء المواطن وصناعة المستقبل.
ولعل ما يلفت النظر في البرنامج ليس محتواه وحده، بل المنهجية العلمية الذكية التي صمم بها؛ إذ لا يبدأ التطوير من افتراض الاحتياج، وإنما من تشخيصه وقياسه.
فالسؤال ليس ماذا سنقدم للمشارك فحسب، بل أين يقف الآن؟ وإلى أي مستوى نريد أن يصل؟ وما الجوانب التي يحتاج إلى تطويرها للوصول إلى المستوى المستهدف؟
ولهذا صممت أداة تقويم جدارات المدرب المركزي خصيصا للبرنامج؛ إذ يستكملها المدرب قبل بدء برنامج التهيئة، ثم يعيد تطبيقها في نهايته، بهدف رصد التقدم في المعرفة والمهارات والفهم، وتمكين المدرب وقادة البرنامج من تقويم مقدار التطور المتحقق. وبذلك لا تبنى رحلة التطوير على الانطباعات العامة، بل على نتائج فعلية تساعد على تحديد الاحتياج وتوجيه التعلم وقياس التحسن.
وتزداد قوة هذه المنهجية باستنادها إلى إطار جدارات الميسر، الذي لا يكتفي بوصف ما ينبغي أن يعرفه الميسر، بل يدعم تصميم تجارب التعلم المهني وتنفيذها وتقويمها، ويربط بين المعرفة والممارسة، والتعلم التشاركي، والتقويم من أجل التعلم، وضمان جودة التنفيذ، وهنا تتحول الفجوة المهنية من انطباع عام إلى جوانب محددة يمكن تشخيصها ومتابعتها وتطويرها بدقة. ولا يتوقف البرنامج عند القياس، بل ينتقل بالمشارك إلى الممارسة الفعلية والتأمل والتغذية الراجعة والتحسين المستمر، وسجل التأمل الذاتي، على سبيل المثال، ليس نشاطا جانبيا، وإنما أداة توثق مسار التعلم والتحسن في مهارات التيسير، وتساعد المدرب على مراجعة ممارساته وقياس انعكاسها على تجربة المشاركين. كما ترتبط زيارات ضمان الجودة بالحوار المهني، وتعزيز أفضل الممارسات، وتقديم الدعم، وفتح فرص مستمرة للتطوير.
ومن أبرز ملامح البرنامج انتقاله من مفهوم المدرب إلى مفهوم ميسر التعلم المهني؛ فالدور لا يقتصر على نقل المعرفة أو عرض المحتوى، بل يمتد إلى فهم مبادئ تعلم الكبار، وإدارة الحوار الهادف، وتعزيز التفكير التأملي الناقد، وتكييف التعلم مع احتياجات الأفراد والمجموعات.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة عند تطوير القيادات التعليمية؛ فالقائد يأتي إلى البرنامج بخبراته وممارساته وسياقه المهني، ولذلك لا يحتاج إلى المعرفة وحدها، بل إلى بيئة تعلم تجعله يتأمل ممارساته، ويفحص افتراضاته، ويربط النظرية بواقعه، ويتعلم من خبرات الآخرين، ثم يحول ما تعلمه إلى قرارات وممارسات تنعكس على المدرسة والمعلمين والطلاب.
ويمكن قراءة ذكاء تصميم البرنامج في مسار مترابط يبدأ بالتشخيص، ثم تحديد جوانب التطوير، والتعلم والممارسة، والتغذية الراجعة، والتأمل والتحسين، وينتهي بإعادة القياس. وبهذا تصبح رحلة التطوير قائمة على دليل يمكن رصده، لا على انطباع عن التحسن، ويصبح قياس الأثر جزءا أصيلا من عملية التطوير، لا إجراء يأتي بعدها.
والأجمل أن «سفراء القيادة» لا ينتهي بإعداد مدرب مركزي أكثر كفاءة، بل يؤسس لقدرة وطنية تقود تنفيذ برامج تطوير قيادات المدارس على المستوى الوطني، ضمن منظومة تتكامل فيها أدوار المدربين المركزيين والمدربين الخبراء في الإشراف والدعم وضمان الجودة، وقد صمم البرنامج من خلال شراكة علمية استراتيجية تجمع المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي ومعهد التعليم في كلية لندن الجامعية UCL Institute of Education، بما يحقق التكامل بين الخبرة الدولية والمعرفة العميقة بالسياق التعليمي السعودي.
وهذا ما يجعل «سفراء القيادة» تجربة تستحق الإشادة؛ لأنها تنظر إلى التطوير المهني بوصفه ممارسة تبنى، وجدارات تتطور، وتعلما يستمر، وأثرا ينبغي أن يصل إلى المدرسة وقائدها ومعلميها وطلابها. وهنا يصبح شعار البرنامج «قيادات تحدث فرقا في كل حوار وقرار» تعبيراً صادقاً عن فلسفة تؤمن بأن تطوير القائد هو نقطة البداية، وأن بناء المواطن هو الغاية.
** **
- خبيرة في التطوير التربوي والمؤسسي