أحمد بن محمد الغامدي
مع إشراقة صباح أول يوم دراسي، استعادت المدن عافيتها، ودبت الحياة في شرايين الشوارع التي طال هدوؤها أثناء العطلة الصيفية، لم تكن تلك الحركة مجرد زحمة صباحية عابرة، بل كانت جدولاً يتدفق بالأمل والحيوية والفرح؛ جيوش صغيرة من أبنائنا وبناتنا، بأزيائهم المدرسية الأنيقة وحقائبهم الملونة بالأحلام، يرسمون كل صباح لوحة فنية مأثورة تسرّ الناظرين، حركة دؤوبة، وابتسامات متطلعة للمستقبل، وأصوات تبدو وكأنها زقزقة العصافير، تعلن رسميًا عن انطلاق عام دراسي جديد، لتكتمل معها دورة الحياة والإنتاج في وطننا الحبيب.
المشهد الصباحي المبهج لم يكن ليتشكل لولا تاريخ حافل من الاهتمام والاستثمار الراسخ في الإنسان؛ فمنذ عهد المغفور له بإذن الله، الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- حظي التعليم بمركز الصدارة في مشروع بناء الدولة والنهوض بالإنسان السعودي، وقد جاءت النقلة التأسيسية الكبرى على يد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله- حين تولى مهام أول وزير للتعليم في تاريخ المملكة؛ ووضع الأسس المكينة والبنية التحتية الصلبة، وقاد نهضة تعليمية شاملة شملت إرساء المناهج الشاملة، وبناء المدارس والجامعات في كل ربوع الوطن وأطرافه، لتنطلق من تلك القاعدة العريضة الطفرة التعليمية الحديثة التي نعيش ثمارها اليوم في ظل رؤية طموحة تجعل من العقول السعودية وقوداً للتنمية والمستقبل.
وفي العهد الزاهر، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز «حفظهما الله» أصبح التعليم رافداً حيوياً ضمن مفهوم «اقتصاد المعرفة»، فقد شهد القطاع الخاص قفزات نوعية بدخوله شريكاً إستراتيجياً في بناء المدارس المتطورة والتوسع في الجامعات والأكاديميات الأهلية والدولية، ليشهد القطاع تنافسية كبيرة، ليس في الجودة فحسب، بل في الابتكار التعليمي، فقد بات الاستثمار في التعليم محركاً اقتصادياً يساهم بفاعلية في صناعة الكفاءات وتلبية متطلبات سوق العمل لهذا الوطن المعطاء.
ومع بداية العام الدراسي الجديد، يبقى المربون والمعلمون هم الركيزة الأساسية والقادة الحقيقيون في الميدان، فالمسؤولية الموضوعة على اكتافهم هذا العام لا تقف عند حدود تلقين المعارف وتدريس المناهج، بل تمتد لتكون صناعة للأثر وبناءً حقيقياً للشخصية والوعي.
من هنا.. أقول لإخواني المعلمين، صناع الأجيال، كونوا الملهمين، فالمعلومة باتت متاحة في كل مكان، لكن القدوة، والشغف، وبناء القيم لا تُستمد إلا منكم، ازرعوا الصمود والفضول المعرفي، واجعلوا من الفصل الدراسي بيئة آمنة تحفز على التفكير الناقد، والتساؤل، والابتكار، احتضنوا الفروق الفردية، ففي كل مقعد طالب يحمل موهبة تنتظر من يكتشفها ويرعاها بحب وصبر.