د. محمد بن إبراهيم الملحم
في ردهة المستشفى لفت انتباهي بوستر معلق مؤخرا يقدم معلومات مفيدة حول الطريقة المثلى لحمل الحقيبة المدرسية حتى لا يتضرر الاطفال، وهذا أحزنني أكثر مما أسعدني، لا المنشور نفسه ولكنه ذكرني أننا مازلنا ندور في فلك الحقيبة المدرسية، والتي أعتبرها شخصيا علامة لعدم التطور التعليمي، وقبل نحو عشر سنوات، في 13 أكتوبر 2016 كتبت في هذه الزاوية مقالاً بعنوان «حقيبة الطفل المدرسية: حتى متى؟»، تناولت فيه الحقيبة الثقيلة، ولا سيما لدى أطفال الصفوف الأولية. واقترحت يومها تصغير الكتب أو تخفيف أوراقها أو تجزئتها أكثر للمرحلة المتوسطة والثانوية (حيث لابد من الكتاب)، ولكن تساءلت أيضا بالنسبة لأطفال الابتدائية: لماذا يحملون الكتاب إلى المدرسة كل يوم؟ واقترحت أن يبقى بالمنزل، ويستخدم المعلم أوراق العمل والوسائل التعليمية.
لقد مضت عشر سنوات تقريباً، وتقدمت التقنية والحقيبة لازالت كماهي. ولذا أعود إلى القضية باقتراح أصبح اليوم أكثر قابلية للتطبيق: وهو توفير جهاز لوحي مدرسي مخصص لا يحتوي إلا على كتب الطالب ومصادر التعلم التي تعتمدها الوزارة، بينما تبقى الكتب الورقية في المنزل؟
وتُستشهد فنلندا كثيراً في أن مدارسها تخلت عن الأجهزة اللوحية بعدما انشغل الطلاب بالإنترنت والألعاب، لكن هنا تصحيح مهم: فما حدث ليس قراراً وطنياً بإلغاء الآيباد أو الأجهزة الرقمية، وإنما الذي حصل هو أنه في مدينة Riihimki، التي توسعت مدارسها منذ عام 2018 في التعليم الرقمي، أعادت بعض المدارس الكتب الورقية والكتابة بالقلم بعد ملاحظة تشتت الانتباه وانتقال الطالب إلى الألعاب والمحتوى الآخر المتاح على الجهاز.
وفي 2025 أدخلت الحكومة قيودا قانونية على استخدام الأجهزة المحمولة أثناء الدروس، مع استمرار السماح باستخدامها لأغراض تعليمية بإذن المعلم. أي أن القضية ليست رفض التقنية، بل ضبط استخدامها، ومع ذلك فهناك فرق جوهري عن اقتراحي، فأنا لا أقترح جهازاً مفتوحاً يمكن به تصفح الإنترنت بل «كتاب إلكتروني مدرسي» مغلق تديره الوزارة مركزياً، يحمل الكتب المقررة (لكل السنوات) ولا يمكن للطالب إضافة أي تطبيقات أو وصول إلى الإنترنت، وهذا ممكن جدا تقنيا اليوم وغير مكلف (ربما 200 ريال للطالب الواحد)، بل لو وفرته الوزارة بإشرافها واعتمادها وطلبت من المورد توزيعه بالسوق لبيعه على من يرغب من أولياء الأمور فإني واثق أن نسبة كبيرة سيقومون بشرائه بكل أريحيه.
وهذا المقترح لا يدعو إلى استبدال كل قلم وورقة وشكل من أشكال القراءة بجهاز إلكتروني، فالطفل يحتاج إلى الكتابة بالقلم والقراءة الورقية والأنشطة اليدوية والتفاعل المباشر مع المعلم وزملائه، فالمقترح أكثر تحديداً هو مجرد إلغاء الحاجة إلى نقل مجموعة من الكتب الثقيلة يومياً بين المنزل والمدرسة، والتجارب الدولية تقدم بدائل أخرى. ففي إنجلترا، مثلاً، لا تفرض الدولة كتاباً مدرسياً حكومياً موحداً يحمله كل طفل لكل مادة، كما هو مألوف لدينا. فالمنهج الوطني يحدد برامج الدراسة والمعارف والمهارات المطلوبة، بينما تختار المدارس الكتب والموارد المناسبة لتحقيقها. وفي سنغافورة نجد حلاً أبسط. فبعض المدارس الابتدائية تطلب إبقاء عدد من الكتب والملفات والمواد التعليمية داخل الفصل، وتوفر أماكن لحفظها، بهدف ألا يحمل الطفل كل مواده بين البيت والمدرسة يومياً. أما الهند فقد اعتمدت ضمن سياستها التعليمية مفهوم «أيام بلا حقيبة»، ولا سيما لطلاب الصفوف من السادس إلى الثامن، تخصص فيها أيام للتعلم العملي والمهني والتجريبي بعيداً عن النموذج التقليدي للكتاب والدفتر.
وبالنسبة لوزن الحقيبة فإن هناك دراسات سجلت ارتباطاً بين الحقائب الثقيلة وبين الانزعاج والتغيرات في وضعية الجسم والإجهاد ولدينا دراسة سعودية منشورة في Saudi Medical Journal عام 2006 شملت 1,275 طالباً وطالبة من المرحلة المتوسطة في الرياض، وجدت أن 50 في المئة تقريباً من الطلاب كانوا يحملون حقائب تتجاوز 10 في المئة من أوزانهم. كما أفاد 37 في المئة منهم بآلام مرتبطة بحمل الحقيبة وهي تؤكد أن المشكلة سبق أن رُصدت محلياً، ولكن لازلنا نحتاج إلى بيانات سعودية أحدث وتتناول المرحلة الابتدائية والبنات خصوصا أيضا، وأقترح أن يتم البدء بتجربة محدودة في عدد من المدارس الابتدائية، وأن يتاح للمدارس الأهلية (كنظام سماح) أن توفر الكتب المدرسية عبر أجهزة لوحية ولا يحضر الطالب الكتب المدرسية للمدرسة بل تبقى بالمنزل، لأني أعلم أن هناك من يتردد في تطبيق مثل هذا خوفا من مسئولي التعليم الذين يزورون مدارسهم ويطالبون أن يشاهدوا الوضع التقليدي «الرسمي» فيترددون عن الخوض في مغامرات مكلفة مادياً مثل هذه.
لقد سألت قبل عشر سنوات: «حقيبة الطفل المدرسية: حتى متى؟». يومها كانت الحلول التقنية أقل نضجاً مما هي عليه اليوم، وأكثر تكلفة أما الآن فلدينا فرصة أن نعيد تصميم العلاقة بين الكتاب والمنزل والمدرسة والتقنية بتكلفة مناسبة وتقنيات أكثر تقدماً، فمتى نقول: «وداعاً للحقيبة المدرسية؟».
** **
- مدير عام تعليم سابقاً