د. فهد صالح عبدالله السلطان
تقول الأساطير الروسية أن الفيل عندما يشعر بقرب أجله يترك القطيع ويذهب الى مكان بعيد حيثما يموت، معتقدا أن ذلك يريح القطيع من عناء العناية به وأنه المكان المناسب لنهاية حياته. والأمر ذاته ينطبق على الإستراتيجية فحيثما تنتقل إلى مرحلة التنفيذ تكون مقبرتها.
في دراسة أعدت عن مدى تنفيذ الإستراتيجية ووضعها على أرض الواقع شملت عينة من القادة الإداريين والرؤساء التنفيذيين والمهنيين في منطقة الشرق الأوسط، أفاد فقط 4 % من عينة الدراسة أنه يتم تنفيذ الإستراتيجية في منظمته. كما تظهر الأبحاث الصادرة عن معهد إدارة المشاريع PMI أن 70 % من المشاريع الإستراتيجية تفشل أثناء التنفيذ أو تواجه صعوبات خطيرة.
ومن المعلوم أن إعداد الإستراتيجية مكلف من حيث الجهد والوقت والتكلفة ويمثِّل خسارة كبيرة للمنظمة إذا لم يتم تنفيذها على الوجه المطلوب. ولذا فإن هذا التحدي يجب أن يحظى باهتمام كبير لدى مراكز الأبحاث والدراسات والقادة الإداريين والرؤساء التنفيذيين والمهنيين ومن في حكمهم.
وسأحاول في هذه المقالة الإجابة على التساؤلات التالية:
لماذا لم تتمكن كثير من المنظمات من وضع إستراتيجيتها على أرض الواقع؟
لماذا لم تتمكن كثير من الأجهزة التي طبقت إستراتيجياتها من تنفيذ مبادراتها وتحقيق أهدافها؟
لماذا لم تتوصل كثير من الأجهزة التي طبقت إستراتيجياتها الى قلوب عملائها وتحقق رضاهم؟
واستنادا الى الخلفية الأكاديمية والخبرة العملية للفقير إلى ربه في مجال التحول المؤسسي فقد تلاحظ وجود عدد من الأسباب وراء فشل تنفيذ برامج التحول المؤسسي وصياغة الإستراتيجيات، لعل من أهمها ما يلي:
معظم الإستراتيجيات تتضمن طموحات تفوق إمكانات المنظمة، وبالتالي تواجه صعوبة في وضعها على أرض الواقع.
المبالغة في المستهدفات وصياغة أهداف صعبة التحقيق.
كثرة المبادرات والتي يصعب تنفيذها في الوقت المستهدف والإمكانات المتوفرة.
عدم ربط الإستراتيجية مع القدرات التنفيذية من حيث الإمكانت البشرية والمالية والمادية.
إستراتيجيات معلبة تعتمد على نظرية أو نظريات دون تكييفها مع بيئة المنظمة والتأكد من مناسبتها لبيئة العمل المستوردة، بكسر الراء.
إعداد الإستراتيجية والإشراف على تنفيذها باتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل.
البدء بتنفيذها دون تهيئة البيئة الإدارية والاجتماعية للمنظمة.
عدم الاهتمام بالنموذج التشغيلي (TOM) بالشكل المطلوب.
عدم إشراك كافة العاملين أو معظمهم على الأقل في صياغة الإستراتيجية وتنفيذها.
تقديم الاهتمام بالتقنية على حساب القوى البشرية والعمليات الإدارية.
المبالغة في التركيز على مؤشرات الأداء الرئيسة دون الاهتمام في آلية الأداء والتركيز على الكم دون الكيف.
عدم إعطاء موضوع رضى المستفيدين الاهتمام الكافي وعدم ربط العناية بهم مع النموذج التشغيلي.
عدم الاهتمام بنقل المعرفة للعاملين في الجهاز التنفيذي ممن تقع على عاتقهم مهام تنفيذ الإستراتيجية وتحقيق المستهدفات.
وفيما يلي بعض الحلول التي يفترض أن تساهم في نجاح عملية التنفيذ والحد من التحديات والمشاكل التي تواجهها مرحلة تنفيذ الإستراتيجيات:
سرعة إعادة الهيكلة وبناء الإستراتيجية، بحيث لا تزيد عن 6 أشهر وذلك لتسارع المستجدات والمتغيرات التي ربما تتعارض مع بعض معطيات ومخرجات الإستراتيجية إذا طالت مدة الإعداد.
أن يكون فيصل العمل ومحوره هو المستفيد الداخلي والخارجي.
عدم المبالغة في طرح المبادرات ومحاولة ألا تزيد الأهداف الإستراتيجية والمبادرات عن سبعة أهداف أو مبادرات بحد أقصى.
أن يتم ربط الإستراتيجية مع النموذج التشغيلي بشكل احترافي في مرحلة التحول المؤسسي بحيث يتم التأكد من أن النموذج التشغيلي جاهز ومهيئ لتنفيذ الإستراتيجية وتحقيق مستهدفاتها.
أن يتم التركيز على نقل المعرفة للعاملين على تنفيذها وأن يتم بناء القدرات لعدد من المهنيين (10- 20 شخص بحسب حجم المنظمة) ليكونوا قادة التحول.
أن يتم تحليل رأس المال البشري وليس فقط المالي. فهو لا يقل أهمية عن التحليل المالي فيما يتعلق برفع كفاءة الأداء.
عند مواجهة تحديات مالية، فيستحسن عدم تخفيض المخصصات المالية بشكل عام يشمل كل الإدارات المعنية، بل يتم التركيز على تخفيض التكاليف في إدارات معينة والإبقاء على المخصصات أو رفعها في إدارات أخرى ضرورة توفر قدرا كبيرا من المرونة في عملية التنفيذ. في 50 % من الحالات، تفشل مشاريع التحول المؤسسي وإعادة الهيكلة في تحقيق النتائج المخطط لها بسبب حدتها وخارطة تنفيذها. يجب إعطاء القادة شيئا من المرونة في اختيار طريقة التنفيذ.
أهمية إشراك أكبر عدد من العاملين في مشروع التحول المؤسسي. ثبت علمياً أن أكثر مشاريع إعادة الهيكلة نجاحاً هي التي تشرك كافة المعنيين في الدراسة وفي إعادة الهيكلة وبناء الإستراتيجية الجديدة.
أن يتم التركيز على العمل بذكاء أكثر من العمل المجهد.
الإفادة بقدر الإمكان من برامج ذكاء الأعمال والذكاء الاصطناعي والرقمنة، بحيث تكون جزءا لا يتجزأ من مشروع التحول المؤسسي.