د. خالد بن سالم الحربي
في عالم الإدارة والمؤسسات، يُفترض أن يكون القائد مرآة لمبادئه، ومنارةً يُطبق ما يدعو إليه. لكن يبدو أن بعض قادة المؤسسات يفضل العيش في عالم الازدواجية، حيث تلمع كلماته وتذبل أفعاله، أو تختفي تماماً.
لطالما سمعنا خطابات مُلهمة عن ترشيد استهلاك الطاقة والحفاظ على مقدرات الوطن وبناء المستقبل. كلمات لامعة في وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية، تُلقى بحماس وكأنها صادرة من قمة جبل من الحكمة. ولكن ماذا لو كان من يلقي هذه الكلمات هو نفسه من يُرشِّد الكفاءات البشرية إلى خارج المؤسسة؟ ماذا لو كان حفظ الطاقة ورفع كفاءة استهلاكها عنده يعني إطفاء شموع المواهب واحدة تلو الأخرى؟
فبينما يدعو إلى رفع كفاءة استهلاك الطاقة، يمارس وبكفاءة عالية استهلاك كرامة الموظفين وطاقاتهم. لقد نجح حيث فشل غيره في ترشيد عدد القيادات المتميزة، فكفاءات تستقيل، وأخرى تُبعد أو تُهمَّش. إنها كفاءة في تبديد الطاقة البشرية التي استثمرت فيها الدولة لسنوات من التعليم والابتعاث، لتصبح ضحية لممارسات ذلك القائد.
عجيبٌ أن يتحدث قائدٌ عن استدامة الطاقة بينما يفتقد إلى أبجديات استدامة العلاقات الإنسانية واستدامة الكفاءات. كيف لشخص أن يفهم تعقيدات الطاقة والمصادر الطبيعية، ويجهل بُعد النظر في الحفاظ على المصادر البشرية التي هي أساس أي تقدم؟ أليس الاستثمار في العقول هو أعلى أنواع كفاءة الاستهلاك للموارد على المدى الطويل؟
على المنصات، يبدو وكأنه عرَّاب الترشيد والاستدامة. أما داخل جدران المؤسسة، فيتحول سلوكه إلى ممارسات من نوع آخر: خلق بيئة سامة تستهلك حماس الموظفين، وتجاهل للخبرات، وإهدار للطاقات البشرية. يقول إن ترشيد الطاقة مسؤولية مشتركة، وهذا صحيح. ولكن المسؤولية الأولى تقع على عاتق من يقود، فكيف يطلب من فريق أن يتبع نهجاً في الحفاظ على الموارد، وهو نفسه لا يحافظ على أهم مورد، وهو الإنسان؟ إنه التناقض بعينه: تحافظ على الطاقة الكهربائية، ولا تحافظ على زميلك، توفر في الكهرباء، وتهدر في الكفاءات. إن أول خطوة نحو الترشيد الحقيقي هي أن يبدأ قائد المؤسسة بنفسه، فيراجع كفاءة أسلوبه القيادي، ويُقلل من استهلاك كرامة موظفيه، ويحول بيئة العمل إلى مساحة للنمو والإبداع. فما فائدة توفير الطاقة المادية إذا كنا نبدد الطاقة البشرية التي تنتج وتطور؟
لا يسعنا إلا أن نتأمل بعمق في دلالة رد عرَّاب الرؤية، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد حفظه الله عندما سُئل عن أعظم شيء تملكه السعودية للنجاح، فأجاب بأنه «بلا شك المواطن السعودي». هذه الإجابة ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي فلسفة قيادية وإدارية تضع المواطن في القلب، وتؤمن بأن الاستثمار الأهم هو في طاقات أبناء الوطن وإمكاناتهم. إنها تذكرة قوية لكل من يتولى موقع قيادة بأن الرهان الحقيقي والناجح هو على الإنسان، وعلى خلق البيئة التي تُمكِّنه وتصون كفاءته وتحفز إبداعه.