نور الدين محمد طويل
لقد انتشرت طرق التواصل الاجتماعي بين الناس بشكل كبير حيث أن كثيراً من الناس لا يستطيعون العيش اليوم بدونها، وذلك أن الحياة اليومية مرتبطة بها تماما.
وسائل التواصل الاجتماعي هي سلاح ذو حدين يؤثر بعمق على الفكر الإنساني، حيث تجمع بين دورها الفاعل في البناء المعرفي ونشر الوعي، ومخاطرها المحتملة في ترويج الأفكار الهدامة وتأكل المنظومة القيمية.
وبعد انتشار التواصل الاجتماعي بسرعة كبيرة بين الناس دخل الناس في مرحلة جديدة من الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية.
ولم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل الأخبار، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام.
ومن المميزات الإيجابية لهذه الطرق أنها منحت التقنية الحديثة كل فرد القدرة على صناعة المحتوى والوصول إلى جمهور واسع خلال وقت قصير، وهي ميزة إيجابية إذا استخدمت في نشر العلم والقيم والمعرفة.
أما سلبياتها فهي كثيرة جدا من حيث مجالاتها المختلفة بما في ذلك قضايا الأسرة والعلاقات الزوجية، حيث أصبحت بعض المبثوث المباشرة، ولاسيما عبر تطبيقات مثل (تيك توك) تتناول تفاصيل دقيقة من الحياة الأسرية بأسلوب يعتمد على الإثارة وجذب المشاهدات أكثر من اعتماده على الإصلاح والتوعية، وقد تتحول التجارب الفردية إلى أحكام مطلقة، وتقدم غير المتخصصة بطريقة تؤثر في نظر الأزواج والشباب والفتيات المقبلين على الزواج، فتزرع الخوف والشك وتضعف الثقة بمفهوم الأسرة والاستقرار.
ولا تقف السلبيات في حدود العلاقات الأسرية، بل تمتد إلى مختلف القضايا الاجتماعية والفكرية، إذ أصبحت بعض المنصات بيئة خصبة لانتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة والأفكار السلبية تحت غطاء حرية التعبير أو مشاركة التجارب الشخصية.
فيما مضى -قبل ظهور التواصل الاجتماعي- كنا صغارا نعيش مع الآباء والأمهات في البيوت وكانت الحياة مليئة بالسعادة والبهجة والسرور وذلك لما نجده من توجيهات وإرشادات أسرية، وتطبيق تلك السلوكيات والتوجيهات كانت تبدأ من البيت إلى المدرسة ثم إلى المسجد للصلاة والقراءة، وبعد العشاء مباشرة العودة إلى البيت مع الأب ثم تناول طعام العشاء على مائدة الأب.
ولكن اليوم يكاد الابن لا علاقة له مع الأب أو الأم، بل قرناء السوء هم جلساؤه ليلاً ونهارا، يصل الأمر إلى فشله في الحياة التعليمية، ويدخل في عالم السرقة وبيع المخدرات، وسبب ذلك التواصل غير المحدود، فكان الابن ضحية هذه الظاهرة المحزنة.
فإذا أردنا النجاح مع التواصل الاجتماعي علينا أن نعلم أن المتلقي لم يعد مجرد عابر، بل شريك في توسيع دائرة التأثير من خلال المشاهدة والمشاركة وإعادة النشر.
لذلك من المهم أن يسأل كل فرد قبل تصديق أي محتوى: من مصدر هذه المعلومة ؟ وهل يمتلك صاحبها التأهيل المناسب؟ وهل يستند كلامه إلى علم ودراسات، أم إلى تجارب فردية وانطباعات شخصية؟
إن المسؤولية الكبرى تقع على المؤسسات التعليمية والإعلامية وعلى المختصين في الإرشاد النفسي والأسري والاجتماعي لتقديم محتوى علمي مبسط ومؤثر، قادر على الوصول إلى الجمهور بلغته وأدواته، ومنافسة المحتوى السطحي الذي يحظى بانتشار واسع، فحماية المجتمع لا يكون بمنع التقنية بل بحسن استخدامها، وتوجيهها نحو البناء لا الهدم.
فالسيطرة على على وسائل التواصل الاجتماعي تبدأ من داخل كل فرد ومن كل أسرة لتكون جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة.
** **
- إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا