مبارك بن عوض الدوسري
من حق الإنسان أن يفرح، ومن حقه أن يحتفي بمناسباته، ومن حقه كذلك أن يكرم ضيوفه ويبذل من ماله ما يشاء في حدود ما أحل الله، فالكرم من أجمل الصفات التي عُرف بها مجتمعنا، وإكرام الضيف قيمة أصيلة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءاً من هويتنا الاجتماعية وواحدة من الصفات التي نفخر بها؛ لكن ما نشهده في الآونة الأخيرة من بعض المظاهر يدعونا إلى الوقوف والتأمل، ليس اعتراضاً على الفرح، ولا رفضاً للكرم، ولا تدخلاً في خصوصيات الناس وأموالهم، وإنما لأن بعض المناسبات بدأت تتحول، في بعض الحالات، من مناسبات اجتماعية جميلة إلى ساحات للاستعراض، ومن لحظات فرح عائلية إلى سباق محموم نحو الشهرة والظهور وجمع المشاهدات؛ حتى أصبحت الولائم عند البعض تقاس بحجم ما يُنشر عنها أكثر مما تقاس بما تحمله من معاني الكرم، وأصبح حضور من يسمون بـ «مشاهير السوشال ميديا» جزءاً أساسياً من بعض المناسبات، وكأن المناسبة لا تكتمل إلا إذا وثقتها الكاميرات وانتشرت مقاطعها في منصات التواصل الاجتماعي؛ ثم تبدأ مرحلة أخرى من المشهد؛ تصوير متواصل، وإعداد مقاطع، وشيلات وأهازيج، وكلمات تمجيد وإطراء، تصف صاحب المناسبة بما قد لا يعرفه عنه أقرب الناس إليه، وتمنحه صفات البطولة والمجد والكرم والشهامة، وتربط كل ذلك بماضٍ عريق وبآباء وأجداد وكأن التاريخ كله كان ينتظر هذه المناسبة ليشهد على عظمة الحفيد؛ ولا أحد يعترض على الثناء الجميل إذا كان في موضعه، ولا على الاعتزاز بالآباء والأجداد، فهم جزء من تاريخ الإنسان وهويته، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتزاز إلى مبالغة، والفرح إلى استعراض، والكرم إلى وسيلة للشهرة، والإنفاق إلى رسالة يراد منها أن تقول للناس: «انظروا إليّ».
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا ليس: كم أنفق فلان في مناسبته؟ ولا: كم ضيفاً حضر؟ ولا: كم مقطعاً حقق من المشاهدات؟ والسؤال الأهم هو: ماذا قدم هذا الإنسان لمجتمعه؟ فما أجمل أن تكون الأبواب مفتوحة للضيوف، لكن ما أجمل أيضاً أن تكون القلوب مفتوحة للمحتاجين، وما أجمل أن تمتلئ الموائد في المناسبات، لكن الأجمل ألا يكون بالقرب منها بيت يعجز أهله عن توفير أبسط احتياجاتهم.
كم من أسرة بيننا تعاني بصمت من أجل توفير مستلزمات الدراسة لأبنائها؟ وكم من أرملة أو يتيم يحتاج إلى من يشعر بحاله دون أن يضطر إلى السؤال؟ وكم من أسرة جاءها العيد وهي عاجزة عن توفير حاجاتها الأساسية؟ وكم من مريض ينتظر من يمد له يد العون للعلاج؟ وكم من إنسان أثقلته الديون، أو تعطلت سيارته وهي مصدر رزقه، أو عجز عن سداد فاتورة ضرورية، أو إصلاح أمر بسيط أصبح فوق قدرته؟ فهؤلاء لا يحتاجون إلى كاميرات، ولا إلى شيلات تمجد من يساعدهم، ولا إلى مقاطع تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنهم يحتاجون إلى يد تمتد إليهم بصدق، وإلى إنسان يشعر بأن في ماله حقاً للمحتاج، وأن الجار والقريب والمجتمع أولى بالاهتمام من آلاف المشاهدات والإعجابات العابرة؛ وهنا تكمن القضية الحقيقية؛ فهل أصبح العمل الذي لا تصوره الكاميرا أقل قيمة في نظر البعض؟ وهل أصبحت المساعدة التي لا تُنشر لا تستحق أن تُقدَّم؟ وهل فقدنا شيئاً من جمال أعمال الخير التي كانت تتم في الخفاء، حين كان الرجل يساعد قريبه أو جاره دون أن يعرف الناس، وحين كانت الأسر تتكافل فيما بينها دون إعلان أو تصوير أو انتظار للشكر؟
إن أخطر ما يمكن أن تصنعه ثقافة الاستعراض هو أن تغير مفهوم القيمة عند الإنسان؛ فيصبح العمل مهماً لأنه يُرى، والكرم عظيماً لأنه يُصور، والمناسبة ناجحة لأنها تتصدر المنصات، بينما تبقى الأعمال الإنسانية الصامتة بعيدة عن الاهتمام، لأنها لا تحقق مشاهدات ولا تصنع شهرة؛ ومجتمعنا، بحمد الله، لا يزال مليئاً بالنماذج المشرفة، وهناك رجال ونساء لهم أيادٍ بيضاء، يقدمون الخير لمجتمعاتهم وأقاربهم وجيرانهم، ويساعدون المحتاجين، ويسددون عن المعسرين، ويقفون مع الأرامل والأيتام والمرضى، دون أن نرى أسماءهم في المقاطع، ودون أن نسمع الشيلات التي تمجدهم؛ وهؤلاء هم النماذج التي ينبغي أن نتحدث عنها ونغرس قيمها في الأجيال؛ فنحن لا نريد مجتمعاً يحرم الناس من الفرح، ولا ندعو إلى التضييق على من وسع الله عليه، ولا نقول إن الغني لا يحق له أن يستمتع بماله أو يحتفي بمناسباته، فالمال نعمة، والإنسان مسؤول عن حسن استخدامه، لكننا ندعو إلى شيء أكثر عمقاً: أن نعرف أين تكون الأولويات.
فليس من الحكمة أن ننفق بسخاء من أجل ساعات من التصوير والاستعراض، ثم نعجز عن الالتفات إلى قريب محتاج أو جار متعفف أو مريض ينتظر المساعدة.
ولعل من أهم الحلول لهذه الظاهرة أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الكرم الحقيقي، فالكرم ليس في كثرة ما يظهر أمام الناس فقط، بل في مقدار ما يتركه الإنسان من أثر في حياة الآخرين؛ كما أن للأسرة دوراً كبيراً في تربية الأبناء على أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في عدد المتابعين، ولا في حجم المناسبة، ولا في انتشار مقاطعه، وإنما في أخلاقه وأعماله وما يقدمه للناس؛ وللمجتمع أيضاً دور في عدم تحويل كل مظاهر البذخ إلى نماذج تستحق الإعجاب والتقليد، فالتصفيق المستمر للمبالغات يصنع جيلاً يظن أن النجاح هو أن تكون مشهوراً، ولو لم تقدم شيئاً حقيقياً؛ ونحن بحاجة كذلك إلى تعزيز ثقافة التكافل الاجتماعي، وتشجيع المبادرات التي تصل إلى المحتاجين بصمت وكرامة، وإحياء قيمة السؤال عن الأقارب والجيران، فربما كان أقرب محتاج إلينا يعيش بجوارنا ونحن منشغلون بمتابعة ما يحدث في العالم كله.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بماله أن يجمع بين النعمة والشكر، وبين الفرح والمسؤولية، وبين إكرام الضيف ومساعدة المحتاج.
بارك الله لكل إنسان في ماله وحلاله، ووسّع عليه من فضله، ولا أحد يملك أن يحاسبه على فرحه أو كرمه، لكن تبقى هناك حقيقة لا ينبغي أن ننساها: أن في المال حقوقاً، وفي المجتمع مسؤوليات، وفي القريب أولوية، وفي المحتاج حقاً، وأن بعض الأعمال التي لا تراها الكاميرات قد تكون عند الله أعظم من كل ما تصوره الكاميرات؛ فليفرح من أراد، وليكرم ضيوفه، وليحتفل بمناسبته كما يشاء، ولكن قبل أن نسأل: كم شاهد المقطع؟ نسأل أنفسنا سؤالاً أجمل وأبقى: كم إنساناً أسعدنا؟ وكم محتاجاً فرجنا كربته؟ وكم أثراً طيباً تركناه في مجتمعنا؟
فالأضواء تنطفئ، والمقاطع تنتهي، والمشاهدات تتراجع، لكن الخير الذي يصل إلى الناس يبقى، والأثر الجميل لا يحتاج إلى كاميرا كي يُخلَّد.