عندما يُخصخص نادٍ رياضي، تتجه الأنظار عادةً إلى اسم المستثمر، وقيمة الصفقة، والصفقات القادمة، وقدرة الفريق على المنافسة. لكن هناك سؤالًا آخر ربما يكشف الأثر الأكبر للخصخصة: ماذا سيحدث خارج أسوار النادي؟ من سيقدم له التقنية؟ من سيصنع منتجاته؟ من سيدير فعالياته؟ من سيطور تجربة جماهيره؟ ومن هي الشركة السعودية الصغيرة التي قد تبدأ بعقد واحد مع نادٍ، ثم تتحول بعد سنوات إلى شركة تخدم قطاعًا رياضيًا كاملًا؟ هنا تكمن فرصة تستحق أن ننظر إليها بصورة مختلفة. فالخصخصة الناجحة لا ينبغي أن تصنع أندية أقوى فقط، بل يمكن أن تصنع اقتصادًا كاملًا يتحرك حولها.
خلف التسعين دقيقة اقتصاد كامل
خلف مباراة مدتها تسعون دقيقة سلسلة طويلة من الأعمال: نقل، أمن، ضيافة، تقنية، تذاكر، مطاعم، متاجر، تصوير، محتوى، تسويق، منتجات وخدمات جماهيرية. لكن صافرة النهاية تطرح سؤالًا مهمًا: هل ينتهي هذا الاقتصاد بانتهاء المباراة؟ كلما توسع النادي واتسعت قاعدته الجماهيرية وتطورت منشآته وخدماته، ولدت احتياجات جديدة. وكل احتياج قد يتحول إلى عقد لشركة قائمة، أو فرصة لرائد أعمال، أو حتى بداية لشركة لم تولد بعد. وهنا يظهر الفرق بين نادٍ يشتري الخدمات ونادٍ يصنع سوقًا حوله.
ماذا لو تتبعنا 100 ريال؟ لنتتبع مئة ريال ينفقها مشجع بسبب علاقته بناديه. كم منها يصل إلى النادي؟ وكم يذهب إلى مطعم أو متجر أو وسيلة نقل أو منصة تقنية أو شركة تنظيم أو منتج محلي؟ والأهم: كم مرة تتحرك هذه المئة ريال داخل الاقتصاد المحلي؟ يمكن أن نسمي ذلك: «دائرة الـ100 ريال»، ليست الفكرة في المئة ريال نفسها، بل في تتبع الأثر الذي يصنعه إنفاق المشجع خارج حسابات النادي المباشرة. فالقيمة الاقتصادية للنادي ليست فقط فيما يحققه من إيرادات، وإنما أيضًا فيما يحرّكه من نشاط اقتصادي حوله. كلما اتسعت هذه الدائرة، تحول النادي من مؤسسة رياضية إلى محرك اقتصادي للمدينة والقطاع المحيط به.
الخصخصة لا ينبغي أن تصنع جزيرة
قد يكبر النادي اقتصاديًا، بينما تبقى الفرص حوله محدودة. وقد يكبر النادي وتكبر معه شركات ومشاريع ووظائف وصناعات. والنموذج الثاني، في رأيي، هو الأكثر قيمة. ليس المطلوب منح المنشآت الصغيرة عقودًا على حساب الجودة أو الكفاءة، بل بناء سلسلة توريد رياضية تنافسية تصبح قوة للنادي نفسه. شركة تقنية محلية تفهم جمهوره. مصنع سعودي يطور منتجًا رياضيًا. شركة ناشئة تحل مشكلة في يوم المباراة. مشروع متخصص في التغذية أو التأهيل أو تجربة الجمهور.
وقد يبدأ أحد هذه المشاريع بتلبية احتياج صغير لنادٍ واحد، ثم يتحول إلى شركة تخدم قطاعًا كاملًا. هنا لا يصبح النادي مجرد عميل. بل قد يصبح السوق الأول الذي تولد منه شركة جديدة. ماذا لو عرف رواد الأعمال ما تحتاجه الأندية؟ هناك فجوة تستحق الانتباه. رائد الأعمال يبحث عن فكرة. والنادي يبحث عن حل.
فلماذا لا نضع المشكلة أمام من يستطيع ابتكار الحل؟ ومن هنا أقترح أن يكون للأندية: (خريطة الفرص حول النادي) خريطة دورية لا تكشف العقود أو المعلومات التجارية الحساسة، لكنها توضح المجالات التي يتوقع النادي نمو احتياجاته فيها: التقنية، البيانات، الضيافة، التجزئة، التغذية، النقل، الفعاليات، المحتوى، التدريب والتأهيل، الاستدامة، تجربة الجمهور، المنتجات والخدمات التشغيلية. عندها يتغير سؤال رائد الأعمال من: ما المشروع الذي أبدأه؟ إلى: ما المشكلة في الاقتصاد الرياضي التي أستطيع بناء شركة لحلها؟ وهذا فارق كبير.
النادي بوصفه «العميل الأول»
ويمكن الذهاب خطوة أبعد. ماذا لو فتحت الأندية، في المجالات المناسبة، مسارات تجريبية للشركات الناشئة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة؟ النادي يطرح تحديًا حقيقيًا. الشركات تقدم حلولًا. أفضل الحلول تدخل تجربة محدودة وفق معايير تجارية وفنية واضحة. وإذا نجحت، تتوسع. بهذه الطريقة لا تحصل الشركة الصغيرة على الفرصة لأنها صغيرة، بل تحصل عليها لتثبت أن حلها كبير بما يكفي. قد تبدأ شركة سعودية بحل مشكلة في بوابات ملعب، أو حركة الجماهير، أو التذاكر، أو التغذية، أو تحليل البيانات، ثم تكتشف أن الحل الذي طورته لنادٍ واحد يمكن تقديمه لعشرات الأندية والمنشآت داخل المملكة، وربما خارجها. عندها يصبح النادي أكثر من مشترٍ للخدمة. يصبح مختبرًا لسوق جديد. هل نقيس ما يصنعه النادي خارج حساباته؟ نقيس الإيرادات والحضور والرعايات والتذاكر.
لكن ماذا لو أضفنا: «مؤشر الأثر الاقتصادي للنادي» مؤشر يسأل: كم منشأة صغيرة ومتوسطة دخلت سلسلة أعمال النادي؟ كم حجم مشترياته المحلية؟ كم فرصة عمل غير مباشرة ساهم نشاطه في توليدها؟ كم شركة ناشئة اختبرت حلولها من خلاله؟ وكم نشاطًا اقتصاديًا نشأ حول منشأته ومبارياته وفعالياته؟ عندها لن نعرف فقط أي الأندية يحقق إيرادات أكبر. بل سنعرف: أيها يصنع اقتصادًا أكبر من حدوده؟ ليس عليك أن تملك النادي وهنا رسالتي لصاحب المشروع الصغير. حين تسمع (خصخصة الأندية)، لا تفترض أن الفرصة تخص من يستطيع شراء النادي فقط. ليس عليك أن تملك النادي حتى تستثمر في نموه.
اسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا سيحتاج النادي عندما يكبر؟ منشأة أكبر تحتاج تشغيلًا. جمهور أكبر يحتاج تجربة. علامة أقوى تحتاج منتجات. فعاليات أكثر تحتاج خدمات. تحول رقمي يحتاج تقنية. وزوار أكثر يحتاجون نقلًا وضيافة. خلف كل واحدة من هذه الاحتياجات يمكن أن توجد شركة. وقد تكون بعض أذكى الفرص الاستثمارية القادمة في الرياضة ليست في امتلاك الأندية أصلًا، بل في امتلاك الشركات التي ستحتاج إليها الأندية. من سيربح خارج الأسوار؟
نجاح خصخصة الأندية لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال ارتفاع قيمتها أو إيراداتها.
السؤال الأكبر هو: ماذا نشأ حولها؟ كم شركة سعودية كبرت معها؟ كم مشروعًا بدأ بسبب احتياجاتها؟ كم وظيفة نشأت في سلاسل أعمالها؟ كم منتجًا سعوديًا خرج من داخل هذا الاقتصاد؟ وهل يمكن لشركة بدأت بخدمة نادٍ سعودي أن تصبح يومًا شركة تصدر خدماتها ومنتجاتها إلى أندية العالم؟ إذا تحقق ذلك، فنحن لم ننجح فقط في بناء أندية أكثر قوة واستدامة. بل نجحنا في جعل الرياضة سوقًا يولّد أسواقًا أخرى.
ولهذا عندما نتحدث عن خصخصة الأندية، ربما علينا ألا نسأل فقط: من سيملك النادي؟ بل السؤال الأكثر إثارة للمستقبل: كم شركة ستولد بسببه؟ فأعظم استثمار قد لا يكون ذلك الذي يدخل إلى النادي، بل ذلك الذي يولد خارجه بسببه.
** **
- د. نورة عبدالله العمراني