فاطمة آل مبارك
وصول المملكة إلى 21 مدينة صحية معتمدة من منظمة الصحة العالمية يضعها في صدارة دول الإقليم، بعد انضمام أبها ومحايل عسير وطريب ومدينة الملك خالد الجامعية إلى القائمة. لكن دلالة هذا الرقم تتجاوز الترتيب الإقليمي فهو يعكس تحولًا في طريقة بناء المدن، بحيث تصبح صحة الإنسان جزءًا من التخطيط والخدمات والبيئة وجودة الحياة، وتمتد مسؤوليتها إلى تفاصيل الحياة اليومية.
فالمدينة الصحية هي مدينة تُصمم تفاصيلها بما يساعد سكانها على العيش بصحة أفضل. ويشترط هذا الاعتماد استيفاء 80 معيارًا دوليًا موزعة على تسعة محاور، تشمل البيئة والصحة العامة والخدمات الصحية وتمكين المجتمع والشراكة بين القطاعات والتعليم وجودة الحياة والاستعداد للطوارئ. أي أن الرقم «21» يلخص مشروعًا متكاملًا يجعل الصحة مسؤولية المدينة بأكملها.
وهنا تحديدًا تتغير دلالة الرقم «21». فالأرقام في الأخبار عادة تُقرأ من الأعلى إلى الأسفل: واحد وعشرون مدينة، ثم مقارنة إقليمية، ثم عنوان إنجاز. أما حين ننظر إليها من داخل المدينة، فإن الرقم يتحول إلى سؤال مختلف: ماذا يعني أن تصبح صحة الإنسان جزءًا من طريقة تخطيط المدينة؟
يعني ذلك أن الصحة تمتد إلى ما هو أبعد من المستشفى. فالطبيب يعالج المرض، بينما تستطيع المدينة أن تهيئ للإنسان بيئة تساعده على الوقاية منه. الحديقة التي تشجع على المشي تدخل، بطريقة ما، في السياسة الصحية، والمسار الآمن للمشاة يصبح جزءًا من الوقاية، والهواء النظيف يتحول إلى استثمار طويل الأجل في صحة السكان، والمدرسة التي تعزز السلوك الصحي تشارك في صناعة جيل أكثر وعيًا بصحته.
وهنا تكمن الفكرة الأهم في تجربة المدن الصحية: الصحة تصبح مسؤولية مدينة كاملة. حين تتكامل جهود الأمانات والتعليم والصحة والبيئة والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع في بناء المدينة الصحية، تتغير طبيعة العلاقة بين هذه الجهات. يصبح العمل الصحي متصلًا بالتخطيط الحضري والتعليم والبيئة والاقتصاد وجودة الحياة، وتتحول صحة الإنسان إلى نتيجة طبيعية لتكامل هذه المنظومة وهذه هي النقطة التي تستحق أن تُقرأ بعناية في التجربة السعودية.
رؤية السعودية 2030 تحدثت عن الإنسان وجودة الحياة والمجتمع الحيوي. ومع الوقت بدأت هذه المفاهيم تنتقل من اللغة الإستراتيجية إلى مشاريع وبرامج يمكن قياس نتائجها. وبرنامج المدن الصحية واحد من المسارات التي يمكن من خلالها رؤية هذا التحول على الأرض فهو يقوم على تكامل الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع لبناء بيئات أكثر صحة واستدامة.
ومن اللافت أن قائمة المدن الصحية السعودية لا تنتمي إلى نمط جغرافي واحد. هناك مدن كبرى مثل جدة والمدينة المنورة، إلى جانب مدن ومحافظات أصغر، وهو تنوع يمنح التجربة قيمة إضافية فالمدينة الساحلية لها طبيعتها وتحدياتها، والمدينة الجبلية لها خصائصها، والمدينة الكبرى لها كثافتها، والمحافظة الصغيرة لها احتياجاتها المختلفة.
وهنا تظهر قيمة المعايير الدولية حين تلتقي بخصوصية المكان. فالمدينة الصحية لا تحتاج إلى نموذج واحد يتكرر في كل منطقة، بقدر حاجتها إلى منظومة قادرة على استيعاب اختلاف الجغرافيا والسكان وطبيعة الحياة، مع الاحتفاظ بالمبادئ التي تجعل صحة الإنسان محورًا مشتركًا ولعل وصول مدن عسير الأربع الجديدة إلى قائمة الاعتماد يفتح بابًا جميلًا للتأمل في هذا المعنى. فأبها ومحايل عسير وطريب، إلى جانب مدينة الملك خالد الجامعية، تمثل نماذج مختلفة في الجغرافيا والسكان وطبيعة الحياة، ومع ذلك اجتمعت تحت مظلة واحدة عنوانها صحة الإنسان وجودة الحياة.
هنا يصبح الجبل جزءًا من السياسة الصحية، والحديقة جزءًا من السياسة الصحية، والمشي جزءًا من السياسة الصحية، والبيئة جزءًا من السياسة الصحية. وكلما اتسع هذا المفهوم، أصبح السؤال أكثر عمقًا: كيف نقيس نجاح المدينة؟ بعدد المستشفيات والخدمات الطبية؟ أم بقدرتها على أن تجعل الحياة اليومية أكثر سهولة وصحة وأمانًا؟
المدينة الناجحة تقيس كفاءتها بقدرتها على تحسين حياة سكانها، وتسهيل الحركة، ودعم التعلم والعمل والتواصل، وتوفير بيئة تساعد الإنسان على أن يعيش حياة أكثر صحة. وهنا تتحول جودة الحياة من مفهوم واسع إلى تفاصيل يمكن للإنسان أن يلمسها في يومه العادي.
ومن هذه الزاوية، فإن اعتماد 21 مدينة سعودية من منظمة الصحة العالمية يمثل اختبارًا أكبر من مجرد تحقيق معيار دولي. إنه اختبار لقدرة النموذج الحضري السعودي على تحويل الصحة إلى قيمة يومية يشعر بها الإنسان في الشارع، وفي المدرسة، وفي الحديقة، وفي مكان العمل، وفي تفاصيل حياته الصغيرة.
والأجمل في مثل هذه الإنجازات أن قيمتها الحقيقية تبدأ حين تتحول من اعتمادٍ يُعلن إلى واقعٍ يُعاش. فبعد أن تصبح المدينة «صحية»، يأتي الاختبار في تفاصيل الحياة اليومية: هل يجد السكان مسارات آمنة للمشي؟ هل يستطيع الطفل الوصول إلى حديقة قريبة؟ هل تتسع المساحات الخضراء وتتحسن جودة الهواء؟ هل تصبح الخدمات الصحية والبيئية أكثر قربًا واستجابة؟ وهل يجد السكان مساحة للمشاركة في القرارات التي تمس جودة حياتهم؟ عندها فقط يأخذ الرقم معناه الكامل، حين تتحول معايير المدينة الصحية إلى تفاصيل يلمسها الإنسان في الطريق إلى عمله، وفي الحديقة التي يمشي فيها، وفي الحي الذي يعيش فيه، وفي البيئة التي يكبر فيها أبناؤه هناك، في هذه التفاصيل اليومية، تتحول الاعتمادات الدولية من إنجاز مؤسسي إلى تجربة إنسانية.
صفوة القول، إن الرقم «21» يفتح أفقًا جديدًا في مسيرة التنمية الحضرية أفقًا تصبح فيه صحة الإنسان معيارًا حاضرًا في تصميم المدينة وإدارة تفاصيلها وجودة الحياة فيها. ويظهر هذا المعنى في مدينة تهيئ للطفل مساحة آمنة للعب، وللكبير مسارًا ميسرًا للمشي، وللأسرة حدائق ومساحات عامة نابضة بالحياة، وفي أحياء أكثر استدامة، وهواء أنظف، ومجتمع شريك في صناعة المكان الذي يعيش فيه.
وهكذا تتحول «المدينة الصحية» من اعتماد إلى ثقافة، ومن مفهوم إلى ممارسة، ومن رقم على خريطة الإنجاز إلى حياة أكثر صحة وجودة للإنسان.