أحمد الأسمري
في سبتمبر من كل عام، يعود الحديث عن الزهايمر إلى الواجهة مع الشهر العالمي للتوعية بالمرض، وصولاً إلى يومه العالمي في 21 سبتمبر. لكن خلف حملات التوعية والشعارات قصة إنسانية تعرفها كل أسرة مرت بهذه التجربة: أم تنظر إلى ابنها وتحاول أن تستعيد اسمه، أو أب يسأل عن شخص يجلس أمامه، فيما تقف بينهما سنوات طويلة من الذكريات التي بدأت تتوارى.
هنا تكمن قسوة الزهايمر، فالمرض لا يبدأ عادة بمشهد كبير. قد تكون البداية سؤالاً يتكرر بعد دقائق، أو موعداً يضيع، أو طريقاً مألوفاً يصبح مربكاً، أو اسماً يتأخر في الحضور. ثم تتسع مساحة النسيان شيئاً فشيئاً، ويبدأ أثره في الظهور على تفاصيل الحياة اليومية.
والزهايمر ليس النسيان الطبيعي الذي قد يصاحب التقدم في العمر، بل مرض يصيب الدماغ ويتطور تدريجياً، ويعد أكثر أسباب الخرف شيوعاً. تبدأ آثاره غالباً في الذاكرة، ثم قد تمتد إلى اللغة والقدرة على اتخاذ القرار وأداء الأعمال اليومية، حتى يصبح المريض في مراحل متقدمة محتاجاً إلى مساعدة من حوله في أبسط شؤونه.
وربما لهذا السبب لا يمكن النظر إلى الزهايمر بوصفه مرض شخص واحد، إنه مرض يدخل البيت كله، إذ تتغير معه الأدوار بهدوء. الابن الذي اعتاد أن يسأل أمه عن أدق تفاصيل حياته يصبح هو من يتابع دواءها ومواعيدها وطعامها، والابنة التي كانت تجد في أبيها مرجعاً لكل شيء تصبح هي من يطمئنه ويعيد له الإجابة نفسها مرات عدة.
وأكتب عن ذلك من تجربة قريبة مع والدتي؛ تجربة عرفت معها أن الزهايمر لا يختبر ذاكرة المريض وحدها، بل يختبر أيضاً صبر من يحبه وقدرته على الاحتمال والاستمرار.
فالرعاية قد تمتد سنوات، وتتطلب جهداً يومياً لا يراه الآخرون دائماً. ومقدم الرعاية نفسه قد يتعرض للإرهاق النفسي والجسدي، ويحتاج إلى من يسانده ويستمع إليه ويمنحه مساحة لالتقاط أنفاسه. والاهتمام به جزء من جودة الرعاية التي يتلقاها المريض نفسه.
لهذا، فإن التعامل مع الزهايمر لا يقتصر على الدواء أو زيارة الطبيب. المريض يحتاج إلى بيئة آمنة ومألوفة، ومن يرعاه يحتاج إلى المعرفة والتدريب والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً مع التغيرات التي قد تصيب الذاكرة والسلوك والشخصية.
وفي المملكة أخذ التعامل مع المرض يتجاوز حدود العيادة إلى دائرة أوسع من الرعاية والتوعية والمساندة. وتؤدي الجمعية السعودية الخيرية لمرض الزهايمر دوراً مهماً في هذا الشأن، من خلال برامج تتوجه إلى المريض وأسرته ومقدم الرعاية معاً.
ونشأت فكرة الجمعية في الأصل من أسر عرفت معاناة المرض عن قرب، ثم تحولت إلى عمل مؤسسي يسعى إلى تحسين جودة حياة المصابين وأسرهم، ونشر الوعي، وتقديم الاستشارات والدعم وخدمات الرعاية المساندة، إلى جانب تدريب مقدمي الرعاية ومساعدتهم على التعامل مع تفاصيل المرض اليومية.
وهذا الجانب مهم بقدر أهمية العلاج نفسه، لأن المعرفة تخفف كثيراً من الحيرة التي تعيشها الأسرة في البدايات. أن نعرف الفرق بين النسيان العابر والتغير الذي يستحق مراجعة الطبيب، وأن ندرك أن بعض التصرفات التي تبدو غريبة ليست عناداً أو تجاهلاً، بل نتيجة لمرض لا يملك صاحبه السيطرة عليه.
كما أن التشخيص المبكر يمنح الأسرة فرصة أكبر لفهم الحالة والاستعداد للمراحل المقبلة، والاستفادة من خيارات العلاج والرعاية المتاحة، بدلاً من اكتشاف المرض بعد أن تكون مساحته قد اتسعت كثيراً في حياة المريض.
ويبقى الجانب الأصعب أبعد من الطب والتشخيص.
كيف تتواصل مع إنسان بدأ ينسى أنك أحد أحب الناس إليه؟
ربما تكون الإجابة في ألا نجعل قدرتنا على القرب منه مرتبطة بقدرته على التذكر.
قد يأتي يوم لا تستطيع فيه الأم استعادة اسم ابنها، أو يتردد الأب أمام وجه ابنته، لكن الألفة لا تختصر في اسم. تبقى للنبرة المطمئنة، واللمسة الحانية، والوجود المألوف قيمة كبيرة، حتى مع تراجع الذاكرة والقدرة على التعبير.
وإذا كان الزهايمر يأخذ من الإنسان شيئاً من ذاكرته كل يوم، فإن أجمل ما تستطيع الأسرة أن تفعله هو ألا تأخذ منه شعوره بالأمان، أن نصبر على السؤال المكرر، وأن نجيب كأننا نسمعه للمرة الأولى، وأن نكون، كلما غابت الأسماء، الذاكرة التي تحتفظ بالحب.