د. طلال الحربي
رحل عن دنيانا الفانية رجلٌ نذر عمره وطاقته في خدمة وطنه وقيادته، فأسدل الموت ستاره على مسيرة حافلة بالعطاء والإخلاص والتفاني، تلك المسيرة التي جسّد فيها عبدالجليل بن علي آل سيف -رحمه الله- أنصع صور الولاء للوطن والانتماء الصادق لمؤسساته، تاركاً خلفه إرثاً مهنياً ووطنياً يستحق أن يُسجَّل بأحرف من نور في سجلات الخدمة المدنية في هذا البلد الكريم.
لم تكن مسيرة الفقيد الراحل ترفاً وظيفياً أو تراكماً في المناصب، بل كانت تجسيداً حياً لمفهوم الخدمة العامة بمعناها الأعمق والأشمل، إذ انخرط منذ بواكير حياته المهنية في رحاب وزارة الداخلية، تلك المؤسسة الوطنية الصرحية التي تمثل ركيزةً أساسية في منظومة الدولة السعودية.
فكان أول احتكاكه بعالم العمل المؤسسي من بوابة الإدارة العامة للمرور، حيث أثبت كفاءةً نادرة وقدرةً على الاستيعاب والاستيعاب، فتقلّد رئاسة الشعبة الفنية التي اضطلع من خلالها بمهام تقنية وتخصصية بالغة الدقة والأثر، ثم ارتقى إلى منصب مدير الإدارة الفنية حيث صاغ منهجيات عمل وأسّس لمداخل إجرائية ظلّ صداها يتردد في مسار المرور الوطني لسنوات طويلة.
وتمتد شواهد كفاءته المهنية لتطال إشرافه على مدارس تعليم قيادة السيارات في المملكة العربية السعودية، وهو ملف يبدو في ظاهره تقنياً بحتاً، غير أنه في جوهره يمس حياة المواطنين يومياً ويتصل بمنظومة السلامة المرورية اتصالاً عضوياً لا انفصام فيه. وقد حمل الراحل هذه المسؤولية بوعي المختص وإحساس المخلص، مما أسهم في رسم ملامح منظومة تدريبية وطنية تُحتذى. وعمل خبيراً مرورياً في ديوان وزارة الداخلية، وهو دور استشاري رفيع يتطلب تراكماً معرفياً وخبراتياً عميقاً، لم يكن في متناول إلا من أثبت استحقاقه وجدارته عبر سنوات من العمل الدؤوب والتخصص المتعمق.
ومضى الفقيد في طريق العطاء دون تردد أو توقف، فارتقى ليتولى منصب مدير عام الإدارة العامة للتنظيم والبرامج بوزارة الداخلية، وهي مهمة جسيمة تستدعي رؤيةً استراتيجيةً تجمع بين الفهم الدقيق لطبيعة المنظومة الداخلية وما تستلزمه من تنظيم ومأسسة، وبين القدرة على التخطيط والتنفيذ الفاعل لبرامج تنسجم مع متطلبات الدولة وتطلعاتها. ثم تولّى منصب مدير عام الاستقدام بالمملكة في مرحلة كانت فيها هذه المنظومة تمر بتحولات جوهرية تستدعي حنكةً إدارية وإدراكاً وطنياً، قبل أن يضطلع بمنصب مدير الإدارة العامة للخدمات الطبية بوزارة الداخلية، فيجمع بذلك في رحلته المهنية بين البعدين الأمني والإنساني في خدمة أبناء هذا الوطن.
ولم يقف مشوار عطائه عند حدود الجهاز التنفيذي، إذ تُوِّجت مسيرته المضيئة بعضويته في مجلس الشورى، ذلك الجسم التشريعي الاستشاري الذي يمثل منتدى وطنياً للرأي ، حيث أضاف بما يحمله من خبرات متراكمة قيمةً استشاريةً متميزة، وأسهم في إثراء نقاشات المجلس بنظرة عملية تستند إلى عقود من الممارسة الميدانية.
وهكذا فإن الفقيد -رحمه الله- أدار دفة خبرته بين الميدان والتشريع، ليجسّد نموذجاً رائداً للكادر الحكومي الذي لا يمر عبر المراحل بل يُثري كل مرحلة بما يجعل خلفاءه أقدر على المضي.
وقد أدى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة الرياض -حفظه الله- عقب صلاة العصر صلاةَ الجنازة على روح الفقيد، وفي هذا تكريمٌ سامٍ يعكس المكانة التي احتلها الراحل في قلوب قيادته ووطنه، ويُجسّد وفاء هذه القيادة الرشيدة لأبنائها المخلصين الذين قضوا عمرهم في خدمتها.
وتملأ النفس رضاً وطمأنينة تلك الاستمرارية التي يجسّدها أبناء الفقيد وإخوانه، فابنه معالي وزير الاستثمار الأستاذ فهد بن عبدالجليل آل سيف يحمل اليوم على عاتقه مسؤولية وطنية ثقيلة في قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً مباشراً بمسيرة التنمية وتحقيق رؤية المملكة 2030، وكأن في ذلك رسالةً ضمنية بأن الخير الذي بذله الآباء لا يضيع، بل يتحول إلى شجرة وارفة يمتد ظلها عبر الأجيال. كما يرفع إخوانه نايف آل سيف والدكتور عامر آل سيف وسائر أسرة آل سيف الكريمة راية العطاء والخدمة، مؤكدين أن هذا البيت قد ربّاه الفقيد -رحمه الله- على حب الوطن وإجلال القيادة والتفاني في العمل العام.
في مثل هذه المحطات الإنسانية الفارقة، حين يشيّع الوطن أحد أعمدته الصامتة الذين بنوا ولم يبتغوا الضوضاء، وأعطوا ولم يسألوا المقابل، ندرك عمق ما يخسره المجتمع من قيم الخدمة والإخلاص التي مثّلها الراحل عبدالجليل آل سيف. غير أن ما يخففّ من وطأة هذا الغياب أن رجلاً كهذا لا يرحل حين يرحل بجسده؛ فهو يبقى في كل سياسة أسهم في صياغتها، وفي كل مدرسة لتعليم القيادة شارك في بنائها، وفي كل موظف وزارة احتذى بنهجه، وفي كل مداولة شورية استفادت من رأيه، وفي كل ابن يُكمل مسيرته ويجدد العهد ذاته مع الوطن والقيادة.
رحم الله عبدالجليل بن علي آل سيف رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأحسن جواره في دار الكرامة، ولا حُرم وطنه من أمثاله ممن وهبوا العمر في خدمة هذا البلاد بإخلاص وتجرد، وألهم الله أهله وذويه الصبر والسلوان، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.